وفي هذا تذكير لهم بأنه يُوفِي الكيل تماماً ، وفيما يبدو أنهم طلبوا منه زيادة في المَيْرة ؛ بدَعوى أن لهم أخاً تركوه مع أبيهم الشيخ العجوز ، فطلب منهم يوسف أن يُحضِروا أخاهم كي يزيد لهم كيلاً إضافياً ؛ لأنه لا يحب أن يعطي أحداً دون دليل واضح ؛ التزاماً منه بالعدل .
وكان كل منهم قد أتى على بعير ، عليه بضائع يدفعونها كأثمان لِمَا يأخذونه ، وحين يحضرون ومعهم أخوهم سيأخذون كَيْل بعير فَوق ما أخذوه هذه المرَّة .
وهم قد قالوا لأبيهم هذا القول ، حينما سألوه عن إرسال أخيهم معهم لمصاحبتهم في الرحلة حسب طلب يوسف عليه السلام ؛ لذلك تقول الآية: {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} [يوسف: 65] .
وقوله:
{وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين} [يوسف: 59] .
يعني: أنه يرحب بالضيوف ؛ وقد لمسوا ذلك بحُسْن المكان الذي نزلوا فيه . بما فيه من راحة وطيب الاستقبال ، ووجود كل ما يحتاجه الضيف في إقامته .
وكلمة"مُنْزِل"في ظاهر الأمر أنها ضدّ مُعْلِي ، وحقيقة المعنى هو: مُنزِل مِنَ الذي ينزل بالمكان الموجود به كل مطلوبات حياته .
والحق سبحانه يقول عن الجنة: {نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت: 32] .
أي: أنه سبحانه قد أعدَّ الجنة بما يفوق خيال البشر ؛ وبمُطْلق صفات المغفرة والرحمة ، وإذا كان المَوْلى عَزَّ وجَلَّ هو الذي يعدّ ؛ فلا بُدَّ أن يكون ما أعدَّه فوق خيال البشر .
وقلت لإخواني الذين بُهروا بفندق رَاقٍ في سان فرانسيسكو: إن الإنسان حين يرى أمراً طيباً ، أو شيئاً رَاقِياً ، أو جميلاً عند إنسان آخر سيستقبلها بواحد من استقبالين: تظهر نَفسه فيه ؛ فإن كان حَقُوداً فسينظر للأشياء بكراهية وبحقد ، وإنْ كان مؤمنا يفرح ويقول:
هذه النعمة التي أراها تزيد من عِشْقي في الجنة ؛ لأن تلك النعمة التي أراها قد صنعها بشر لبشر ؛ فماذا عن صُنْع الله للجنة؟ وهو مَنْ خلق الكون كله بما فيه من بشر؟