قوله: (في مَحفَلِ مِنْ نَوَاصِي النَّاس مَشْهُود) في محفل في مشهد من نواصي الناس
من رءوس النَّاس وأشرافهم مشهود.
قوله: (أي كثير شاهدوه) أي حاضروه كقولهم لفلان مجلس مشهود وطعام محضور
والْمُرَاد كثير حاضروه والمشهود أصله مشهود فيه فحذف الجار وجعل الضَّمير مَفْعُولًا
توسعًا فأقيم مقام الْفَاعل واستتر وسيجيء وجهه.
قوله:(ولو جعل اليوم مشهودًا في نفسه لبطل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه فإن
سائر الأيام كَذَلكَ)جواب سؤال لم لم يجعل اليوم مشهودًا في نفسه مع أنه صحيح في ذاته
كقولك شهدت يوم الجمعة أي صلاتها؟ فأجاب بأنه لو اعتبر ذلك لبطل الغرض وإن لم
يختل الْمَعْنَى من تعظيم اليوم وبيان هوله وشدته حيث حضر فيه جمع غفير وجم كثير، وهذا
من مورث الهيبة والدهشة بحَيْثُ يزول الفهم والفطنة؛ ولأجل ذلك قال الْمُصَنّف: مشهود فيه
أهل السَّمَاوَات والْأَرضين مع أن السوق مشهود فيه النَّاس من بين المخلوقين فإن سائر
الأيام كَذَلكَ أي مشهودة. فلو جعل اليوم مشهودًا لم يبق الفرق ولا ينفع الْإخْبَار بأنه مشهود
كثير نفع خصوصًا في مقام التهديد للفاجر العنيد ولا يقال لكل يوم مشهود فيه إلا لليوم
الذي شهد فيه الخلائق من كل فج لأمر له شأن وشرف وخطب كيوم الجمعة والعيد
[وعرفة] فالاعتراض عَلَى الفرق بين المشهود والمشهود فيه بأن سائر الأيام مشهود فيها كما
أنها مشهودة ضعيف وقد مَرَّ منه في قَوْله تَعَالَى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)
ما يوضح هذا المرام وقد أورده الزمخشري هنا لتحقيق المقام.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
النَّاس أشرافهم والمقدمون منهم. كما وصفوا بالذوائب يقال فلان [ذؤابة] قومه وناصية عشيرته يقول
رب شهد عظيم تكلمت فيه ونبت عن الغائبين عنه. واليوم يوم مشهود فيه رؤساء النَّاس وأماثلهم.
قوله: ولو جعل اليوم مشهودًا في نفسه لبطل الغرض من تعظيم اليوم. هذا ما قال صاحب
الانتصاف آنفًا. حذف مَفْعُول المشهود تفخيما فإن الْمَفْعُول قد يحذف ويراد بحذف التَّفْخيم يقال:
فلان يعطي ويمنع. فإنه أبلغ من أن يقال: فلان يعطي الدراهم والدنانير فحذف الْمَفْعُول في مشهود
دلالة عَلَى تفخيمه وتمييزه عن سائر الأيام فإنه لو جعل اليوم نفسه مشهودًا لا يستفاد منه التَّفْخيم
وكذا التمييز عن سائر الأيام لأن كل يوم كَذَلكَ أي مشهود به والفحامة إنما جاء لليوم إذا كان
المشهود في ذلك اليوم غير ذلك اليوم، وحذف ذلك الغير المشهود به دلالة عَلَى تفخيمه عَلَى
طريقة فلان يعطي ويمنع.
قوله: ولو جعل اليوم مشهودًا في نفسه لبطل الغرض من تفخيم اليوم وتمييزه فإن سائر
الأيام كَذَلكَ. لفظ من في من تفخيم اليوم للبيان أي لبطل الغرض الذي هُوَ تفخيم اليوم وتمييزه من
سائر الأيام. قال صاحب التقريب: وفيه نظر؛ إذ يقال سائر الأيام مشهود فيها أَيْضًا كما أنها مشهودات
فحِينَئِذٍ لا تتميز به من سائر الأيام. فأجيب بأن الفرق بين الصورتين واضح لأنه لا يقال يوم مشهود
فيه إلا ليوم يشهد فيه الخلائق من كل أوب لأمر له شأن أو لخطب يهمهم نحو أيام الأعياد وأيام
عرفة وأيام الحروب وقدوم السلطان فلا يقال لسائر الأيام مشهود فيها بهذا الْمَعْنَى وإن كانت
مشهودات بها.