فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده سبحانه شيء في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين أثبت فيه صورة تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه غير عالم بالجزئيات.
وأجيب أيضاً بأن الاستثناء منقطع أي لكن هو في كتاب مبين، وذكر أبو علي الجرجاني أن (إلا) بمعنى الواو أي وهو أيضا في كتاب مبين، والعرب قد تضع إلا موضع الواو، ومنه قوله تعالى: (إنى لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم) يعني ومن ظلم، وقوله: (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا) أي والذين ظلموا، وقدر هو بعد الواو التي جاءت إلا بمعناها كما في قوله (وقولوا حطة) أي هي حطة.
قال الكرخي: وهذا الوجه فيه تعسف، ومثله قوله: (ولا تقولوَا ثلاثة) (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) .
وجوّز الكواشي كونه متصلاً مستثنى من (يعزب) على أن معناه يبين.
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(87)
وإنما جعل الخطاب في أول الكلام مع موسى وهارون ثم جعله لهما ولقومهما في قوله (واجعلوا) و (أقيموا) ثم أفرد موسى بالخطاب بعد ذلك فقال (وبشر المؤمنين) أي بالنصر والجنة لأن اختيار المكان مفوض إلى الأنبياء، ثم جعل عاماً في استقبال القبلة وإقامة الصلاة لأن ذلك واجب على الجميع لا يختص بالأنبياء ثم جعل خاصاً بموسى لأنه الأصل في الرسالة وهارون تابع له فكان ذلك تعظيماً للبشارة وللمبشر بها.
وقيل إن الخطاب في (وبشر المؤمنين) لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم على طريقة الالتفات والاعتراض والأول أولى.