(يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ(57)
وإنما خص الصدر بالذكر لأنه موضع القلب وغلافه وهو أعز موضع في بدن الإنسان لمكان القلب فيه، وداء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن، والقرآن مزيل لأمراض القلب كلها.
(وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(61)
(في الأرض ولا في السماء) أي في دائرة الوجود والإمكان، وإنما عبر عنها بهما مع أنه سبحانه لا يغيب عنه شيء لا فيهما ولا فيما هو خارج عنهما لأن الناس لا يشاهدون سواهما وسوى ما فيهما من المخلوقات؛ وقدم الأرض على السماء لأنها محل استقرار العالم، فهم يشاهدون ما فيها من قرب.
(ولا أصغر من ذلك) أي من مثقال ذرة كلام برأسه مقرر لما قبله، ولا نافية للجنس (ولا أكبر) منها (إلا) وهو (في كتاب مبين) فكيف يغيب عنه وهو الكتاب الذي عند الله، يعني اللوح المحفوظ، قاله السدي.
وقد أورد على توجيه النصب والرفع في أصغر وأكبر على العطف على لفظ مثقال ومحله أو على لفظ ذرة إشكال، وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وهو محال.
وقد أجيب عن هذا الإشكال بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسماوات والأرض، وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في السلسلة العلية عن مرتبة الأول.