ويرى الإمام مالك أن المراد المسجد الحرام بالنص وبقية المساجد تقاس عليه، لأن العلة - وهي النجاسة - موجودة في المشركين، والحرمة موجودة في كل مسجد.
وعليه فلا يجوز تمكينهم لا من المسجد الحرام ولا من غيره من المساجد.
ويرى الأحناف أن المراد بالمسجد الحرم كله، إلا أن النهي هنا ليس منصبا على دخوله وإنما هو منصب على المنع من الحج والعمرة. ومن الحج إليه أي: لا تمكنوا - أيها المؤمنون - المشركين من الطواف بالمسجد الحرام بعد عامهم هذا.
قال الآلوسي: ويؤيده قوله - تعالى - بَعْدَ عامِهِمْ هذا، فإن تقييد النهي يدل على اختصاص المنهي عنه بوقت من أوقات العام. أي: لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا وهو عام تسعة من الهجرة .. ويدل عليه نداء على - كرم الله وجهه - يوم نادى ببراءة ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك، وكذا قوله - سبحانه - وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً أي: فقرا بسبب منعهم، لما أنهم كانوا يأتون في الموسم بالمتاجر، فإنه إنما يكون إذا منعوا من دخول الحرم كما لا يخفى.
ثم قال: والحاصل أن الإمام الأعظم يقول بالمنع عن الحج والعمرة ويحمل النهي عليه، ولا يمنعون عنده من دخول المسجد الحرام ومن دخول سائر المساجد».
4 -قال القرطبي: في هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز، وليس ذلك بمناف للتوكل، وإن كان الرزق مقدرا، ولكنه علقه بالأسباب لتظهر القلوب التي تتعلق بالأسباب، من القلوب التي تتوكل على رب الأرباب وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكل، ففي الحديث الذي أخرجه البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا» - أي: تغدو صباحا وهي جياع، وتعود عشية وهي ممتلئة البطون - .
هذا، وبتدبر آيات السورة الكريمة - من أولها إلى هنا - نراها قد وضحت العلاقات النهائية بين المسلمين وعبدة الأوثان، وفصلت كثيرا من الأحكام التي تخص الفريقين، ومن ذلك أنها قررت:
1 -براءة الله ورسوله من عهود المشركين الذين مردوا على نقض المواثيق.
2 -إعطاءهم مهلة مقدارها أربعة أشهر يتدبرون خلالها أمرهم، دون أن يتعرض المسلمون لهم بسوء.