ومن طبق الآيات على ما في الأنفس ذكر أن هذه المدة هي مدة كمال الأوصاف الأربعة النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ثم قال سبحانه لهم: {واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله} إذ لا بد من حبسكم في تلك المواقف بسبب وقوفكم مع الغير بالشرك {وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين} [التوبة: 2] المحجوبين عن الحق بافتضاحهم عند ظهور رتبة ما عبدوه من دونه ووقوفهم معه على النار {وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الأكبر} أي وقت ظهور الجمع الذاتي في صورة التفصيل {أَنَّ الله بَرِئ مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3] المراد بذلك كمال المخالفة والتضاد وانقطاع المدد الروحاني ، والمراد من قوله سبحانه: {إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} [التوبة: 4] الذين بقيت فيهم مسكة من الاستعداد وأثر من سلامة الفطرة وبقايا من المروءة أمر المؤمنون أن يتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم وهي مدة تراكم الدين وتحقق الحجاب إن لم يرجعوا ويتوبوا ثم قال سبحانه بعد أن ذكر ما ذكر: {الذين كَفَرُواْ} أي علماً {وَهَاجَرُواْ} أي هجروا الرغائب الحسية والأوطان النفسية {وجاهدوا فِى سَبِيلِ الله بأموالهم} وهي أموال معلوماتهم ومراداتهم ومقدوراتهم ، والجهاد بهذه إشارة إلى محو صفاتهم ، والجهاد بالأنفس إشارة إلى فنائها في الله تعالى أولئك {أَعْظَمُ دَرَجَةً} في التوحيد
{عَندَ الله} [التوبة: 20] تعالى {يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ} وهو ثواب الأعمال {وَرِضْوَانٍ} وهو ثواب الصفات {وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} [التوبة: 21] وهو مشاهدة المحبوب الذي لا يزول وذلك جزاء الأنفس ، ووجه الترتيب على هذا ظاهر وإنما تولى الله تعالى بشارتهم بنفسه عز وجل ليزدادوا حباً له تبارك وتعالى لأن القلوب مجبولة على حب من يبشرها بالخير.