وبهذا استقر القسم على ضرورة القتال للمشركين، وضرورة قتلهم، مع بيان حكمة ذلك وحكمه.
والكلام كله في مشركي العرب، فهؤلاء لا بد من قتلهم واستئصالهم، إنه ليس أمامهم إلا السيف أو الإسلام، ومن كان له عهد مؤقت يوفى له بمدته، ثم يكون حكمه كالآخرين، وقد وعد الله عباده أن ينصرهم، وقد فعل المسلمون ما أمروا به، وقد وفى الله لهم بوعده وعهده، فأذل الشرك وأهله، ونصر الإيمان وحزبه، ولا يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله. وكثيرون من الناس يتصورون أن الله لا يكلف إلا بما هو مريح لعباده، وكثيرون من الناس ليس عندهم عزم على الجهاد، ولذلك أنكر الله في هذا السياق على من يتصور أن الله يتركنا مهملين، فلا يختبرنا بأمر يظهر فيه أهل العزم الصادق من الكاذب، وأهل الإيمان الصادق من الكاذب، بالجهاد وترك اتخاذ بطانة دخيلة من غير المؤمنين، فالحاصل أنه تعالى لما شرع الجهاد والقتال، وأمر بقتل المشركين، بين أن له في ذلك حكمة: وهي اختبار عبيده، من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى العالم بما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
وبعد بيان حكم الله في المشركين وأنه القتل، وبعد الإنكار على من يتصور عدم تكليف الله عباده بالجهاد، وإخلاص الولاء لله والرسول والمؤمنين في الظاهر والباطن، بين تعالى أن هؤلاء المشركين ما كان لهم أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، وهم على حالهم من الشرك لم يتوبوا منه، فهؤلاء أعمالهم غير مقبولة، والنار لهم قرار دائم، ثم بين صفات المستحقين أن يعمروا مساجد الله بالعبادة
والذكر، وهم الذين اجتمعت لهم معاني الإيمان، والصلاة، والزكاة، ولم يخشوا إلا الله، فهؤلاء هم المهتدون الجديرون بمساجد الله، وليحطم الله عزّ وجل كل مظهر من مظاهر الشرك، وليحطم دعاوى المشركين في زعمهم أنهم على خير بسبب بعض صور الخير التي يفعلونها، وحتى لا يتوهم المسلمون ويخدعون ببعض صور الأعمال، بين تعالى أنه لا يستوي أهل الإيمان والجهاد بأهل سقاية الحج، وسكن المسجد الحرام، مع الشرك، ثم بين أن المؤمنين المجاهدين هم الفائزون وهم المبشرون بالجنة والرضوان.