غلبته ومنه قوله - تعالى - فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ أي:
غالبين.
وقوله: لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ أي: لا يراعوا في شأنكم. يقال: رقب فلان الشيء يرقبه إذا رعاه وحفظه .. ورقيب القوم حارسهم.
والإل: يطلق على العهد، وعلى القرابة، وعلى الحلف.
قال ابن جرير - بعد أن ساق أقوالا في معنى الإل - وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: والإل: اسم يشتمل على معان ثلاثة: وهي العهد والعقد، والحلف، والقرابة .. ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل:
أفسد الناس خلوف خلفوا ... قطعوا الإل وأعراق الرحم
أي قطعوا القرابة.
ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى العهد قول القائل:
وجدناهم كاذبا إلّهم ... وذو الإل والعهد لا يكذب
وإذا كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة، ولم يكن الله خص من ذلك معنى دون معنى، فالصواب أن يعم ذلك كما عم بها - جل ثناؤه - معانيها الثلاثة ... .
والذمة: كل أمر لزمك بحيث إذا ضيعته لزمك مذمة أو هي ما يتذمم به أي يجتنب فيه الذم.
والمعنى: بأية صفة أو بأية كيفية يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، والحال المعهود منهم أنهم إن يظفروا بكم ويغلبوكم، لا يراعوا في أمركم لا عهدا ولا حلفا ولا قرابة ولا حقا من الحقوق.
وقوله - تعالى -: يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ زيادة بيان للأحوال القبيحة الملازمة لهؤلاء المشركين.
أي: أن هؤلاء المشركين إن غلبوكم - أيها المؤمنون - فعلوا بكم الأفاعيل، وتفتنوا في إيذائكم من غير أن يقيموا ووزنا لما بينكم وبينهم من عهود ومواثيق، وقرابات وصلات ... أما إذا كانت الغلبة لكم فإنهم في هذه الحالة يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ أي: يعطونكم من ألسنتهم كلاما معسولا إرضاء لكم، وهم في الوقت نفسه تَأْبى قُلُوبُهُمْ المملوءة حقدا عليكم وبغضا لكم تصديق ألسنتهم، فهم كما وصفهم - سبحانه - في آية أخرى: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.
وتقييد الإرضاء بالأفواه، للإشعار بأن كلامهم مجرد ألفاظ يتفوهون بها من غير أن يكون لها مصداق في قلوبهم.