وحاصل المعنى: أنهم استبدلوا بآيات الله الدالة على توحيده بالعبادة وعلى الوحي والرسالة وما فيها من الهداية للناس وعلى البعث والجزاء على الأعمال ثمنًا قليلًا من حطام الدنيا، وهو ما هم فيه من رخاء العيش، وكثرة الأموال، فصدوا بسبب هذا الشراء الخسيس أنفسهم عن الإِسلام، وما يقتضيه من الوفاء، وصدوا غيرهم أيضًا، وجعله قليلًا؛ لأنه زائلٌ غير باق، وما عند الله باق دائم، وهو خير وأبقى، روي أن أبا سفيان لمَّا أراد حمل قريش وحلفائها على نقض عهد الحديبية .. صنع لهم طعامًا استمالهم به، فأجابوه إلى ما طلب {إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ؛ أي: قبح عملهم الذي يعملونه، من اشتراء الكفر بالإيمان والضلالة بالهدى، والصد عن دين الله، وما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، من البينات والهدى.
10 -وقوله: {لَا يَرْقُبُونَ} ؛ أي: لا يرقب هؤلاء المشركون الناقضون للعهد ولا يحفظون {فِي مُؤْمِنٍ} أيَّ مؤمن كان، سواء كان منكم أيها المخاطبون، أو من غيركم {إِلًّا} ؛ أي: قرابةً ورحمًا {وَلَا ذِمَّةً} ؛ أي: ولا عهدًا؛ أي: لا يلتفتون إلى قرابته ولا إلى عهده، إذا قدروا عليه .. قتلوه، فلا تبقوا أنتم عليهم، كما لا يبقوا عليكم إذ ظهروا عليكم، ولا تكرار هنا؛ لأن الأول: على الخصوص، حيث قال: فيكم، والثاني: على العموم، حيث قال: في مؤمن، كما أشرنا إليه في الحل آنفًا؛ أي: ومن أجل هذا الكفر الذي رسخ فيهم لا يرعون في مؤمن يقدرون على الفتك به قرابةً تقتضي الود، ولا ذمةً توجب الوفاء بالعهد، ولا ربًّا يحرم الخيانة والغدر، فذنب المؤمن عندهم أنه لا ينقض عهدًا ولا يستحل غدرًا ولا يقطع رحمًا {وَأُولَئِكَ} المشركون الناقضون للعهد {هُمُ الْمُعْتَدُونَ} ؛ أي: المجاوزون للحلال إلى الحرام أو البالغون في الشر والتمرد إلى الغاية القصوى، والعلة في هذا رسوخهم في الشرك وكراهتهم للإيمان وأهله، فلا علاج لهم إلا الرجوع عن الكفر، والاعتصام بالإيمان, والتمسك بفضائل الأخلاق، وما يقتضيه الإيمان من صالح الأعمال.