فَإِنْ قُلْتَ: إن الموصوفين بهذه الصفة كفار، والكفر أخبث وأقبح من الفسق، فكيف وصفهم بالفسق في معرض الذم، وما الفائدة في قوله: {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} ، مع أنَّ الكفار كلهم فاسقون؟
قلتُ: قد يكون الكافر عدلًا في دينه، وقد يكون فاسقًا خبيث الفسق في دينه، فالمراد بوصفهم بكونهم فاسقين: أنهم نقضوا العهد، وبالغوا في العداوة فوصفهم بكونهم فاسقين مع كفرهم، فيكون أبلغ في الذم، وإنما قال: أكثرهم، ولم يقل: كلهم فاسقون؛ لأنَّ منهم من وفى بالعهد ولم ينقضه، وأكثرهم نقضوا العهد، فلهذا قال سبحانه وتعالى: {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ}
وقيل: معنى وأكثرهم: وكلهم فاسقون، قاله: ابن عطية والكرماني.
9 - {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ} ؛ أي: استبدلوا بآيات القرآن والإيمان بها؛ أي: تركوا آيات الله الآمرة بالاستقامة في كل أمر وأخذوا بدلها {ثَمَنًا قَلِيلًا} ؛ أي: عوضًا يسيرًا من الدنيا لأجل تحصيل الشهوات، والمعنى استبدلوا آيات الله بالأعراض الفانية والشهوات الزائلة، وذلك أن أبا سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحملتهم تلك الأكلة على نقض العهد، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، بسبب تلك الأكلة {فَصَدُّوا} ؛ أي: منعوا الناس عن {سَبِيلِهِ} ؛ أي: عن الدخول في دين الله تعالى، أو صدُّوا الناس عن سبيل البيت الحرام، حيث كانوا يصدُّون الحجاج والعمار عنه، أو معنى فصدوا عن سبيله؛ أي: فعدلوا وأعرضوا عن سبيل الحق {إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ؛ أي: بئس ما كانوا يعملونه من الشرك ونقضهم العهد، ومنعهم الناس عن الدخول في دين الإِسلام.