وفيه دليلٌ على أنه كان من أهل العهد من خان بعهده، ومنهم من ثبت عليه فأذن الله سبحانه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، بنقض عهد من نقض وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدته {وَلَمْ يُظَاهِرُوا} ؛ أي: ولم يعاونوا {عَلَيْكُمْ أَحَدًا} من أعدائكم، وقرأ عطاء بن السائب الكوفي وعكرمة وأبو زيد وابن السميفع {ينقضوكم} بالضاد المعجمة، وهو على حذف مضاف؛ أي: ثم لم ينقضوا عهدكم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، لدلالة الكلام عليه.
{فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} ؛ أي: إلى وقت أجلهم تسعة أشهر، كما سيأتي قريبًا، والمعنى: لا تمهلوا الناكثين للعهد فوق أربعة أشهر، إلا الذين عاهدتموهم ثم لم ينكثوا عهدهم فلا تجروهم مجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم، بل أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، بشرط أن لا ينقضوا شيئًا من شروط الميثاق، ولا يضاروكم ولا يعاونوا عليكم أحدا من أعدائكم؛ أي: فلا تجعلوا الوافين كالغادرين، وهم بنو ضمرة حيٌّ من كنانة، أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر، فإنهم ما غدروا من هذين الوجهين.
وفي ذلك إيماءٌ إلى أن الوفاء بالعهد من فرائض الإِسلام ما دام العهد معقودًا، وإلى أنَّ العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاء وقته، وإلى أنَّ من شروط وجوب الوفاء به محافظة العدوِّ المعاهد لنا على ذلك العهد بحذافيره، بنصه وفحواه، فإن نقص شيئًا منه وأخل بغرض من أغراضه .. عد ناقضًا له، كما قال: {ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا} ويدخل في الإخلال مظاهرة أحد من الأعداء على المسلمين؛ لأن المقصود من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين المتعاهدين للآخر، وحرية التعامل بينهما.
{إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} ؛ أي: الذين يتقون نقض العهد، وخفر الذمم وسائر المفاسد التي تخل بالنظام، وتمنع جريان العدل بين الناس.
وفي ذلك إيماء إلى أنَّ مراعاة حقوق العهد تدخل في حدود التقوى، وإلى أن التسوية بين الوفيِّ والغادر منافية لذلك، وإن كان المعاهد مشركًا.