وبالجملة ، فالآية الأولى دلت على ثبوت حكم عند شرط مخصوص ، والثانية دلت على أن ذلك الشرط مفقود في حق هؤلاء الجماعة ، فلم يثبت ذلك الحكم ، وعلى هذا فلا نسخ ، ولا يقال إن قوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللُّهُ عَنْكُمْ} مشعر بأن هذا التكليف كان متوجهاً عليهم قبله ، لأن لفظ التخفيف لا يستلزم الدلالة على حصول التثقيل قبله ، لأن عادة العرب الرخصة بمثل هذا الكلام ، كقوله تعالى في ترخيصه للحرّ في نكاح الأمَة: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُم} وليس هناك نسخ ، وإنما هو إطلاق نكاح الأمة لمن لا يستطيع نكاح الحرائر ، فكذا هاهنا .
ومما يدل على عدم النسخ ذكر هذه الآية مقارنة للأولى وجعل الناسخ مقارناً للمنسوخ ، لا يجوز إلا بدليل قاهر .
قال الرازي: بعد تقرير كلام أبي مسلم: إن ثبت إجماع الأمة قبل أبي مسلم
على حصول النسخ في الآية ، فلا كلام عليه ، وإلا فقول أبي مسلم صحيح حسن . انتهى .
الثالثة: في قوله تعالى: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ} إشارة إلى علة غلبة المؤمنين عشرة أمثالهم من الكفار ، فالظرف متعلق ب-: {يَغْلِبُوا} أي: بسبب أنهم قوم جهلة بالله تعالى واليوم الآخر ، لا يقاتلون احتساباً وامتثالاً لأمر الله تعالى ، وإعلاءاً
لكلمته ، وابتغاءاً لرضوانه ، كما يفعله المؤمنون ، وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية ، واتباع خطوات الشيطان ، وإثارة نائرة البغي والعدوان ، فلا يستحقون إلا القهر والخذلان . أفاده أبو السعود .
الرابعة: قال الرازي: احتج هشام على قوله: إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها ، بقوله: {الآنَ خَفَّفَ اللُّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} إذ يقتضي أن علمه يضعفهم ما حصل إلا في هذا الوقت .
وأجاب المتكلمون بأن معناه: الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله ، وأما قبل ذلك فقد كان الحاصل العمل بأنه سيقع أو سيحدث . انتهى .