كل ذلك بإرادة الله - عز وجل - وما خلقه في قلوب الفريقين من الدواعي والصوارف، ولولا ذلك لكانوا لو تواعدوا إلى هناك لاختلفوا في الميعاد؛ ليعلم أن لا مراد لله إلا كائن، ولا كائن إلا مراد.
فإذا شغب هاهنا ذو اعتزال حكم على/ [209/ل] عقله عنه بالانعزال.
{إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ} (43) [الأنفال: 43] قيل: المنام هاهنا محل النوم وهو العين والرؤية، لذلك كانت يقظة، وقيل: المنام على ظاهره في أنه خلاف اليقظة فكان ذلك رؤيا لا رؤية. لكن رؤيا النبي صلّى الله عليه وسلّم حق ووحي، فعلى كلا التقديرين يستدل بالآية على أن لله - عز وجل - أن يظهر الأشياء على خلاف حقائقها في نفس الأمر لحكمة، كما أظهر هاهنا قلة الكفار، وهم في نفس الأمر كثيرون لئلا يفشل ويتنازع المؤمنون. ثم لا يعد ذلك منه سبحانه وتعالى خطأ ولا كذبا ولا جهلا، ولا يعد بالكلية نقصا، بل يعد حكمة وحكما، {قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ} (89) [الأعراف: 89] .
عز وجل - والجميع ممكن مقدور.
{وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ} (48) [الأنفال: 48] ، جاء في التفسير: أن إبليس تراءى لكفار قريش/ [98 أ/م] على صورة سراقة بن مالك بن جعشم؛ فغرهم بغروره حتى شركوه في ثبوره، ففي ذلك دليل على أن الشياطين تظهر لبعض الإنس، وتتصور بما شاءت من الصور، وشواهده كثيرة، والكل ممكن مقدور.