{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (63) [الأنفال: 63] ، اعلم أن الحق سبحانه وتعالى لما كان هو الواحد بالحقيقة والوحدة من خواصه - كانت قوته وبطشه في وحدته فلا يحتاج إلى تكثير من قلة، ولا تقوية من ضعف، والخلق لما كان التعدد والكثرة والتركيب من لوازمهم - كانت قوتهم في اجتماعهم وكثرتهم، وشرط اجتماعهم اتفاقهم، واتفاقهم إنما يكون بميل القلوب بعضها إلى بعض، وقد سبق الله - عز وجل - هو المتصرف في القلوب بخلق الدواعي والصوارف، وأنه يحول بين المرء وقلبه، فكان أمر الله تأليف القلوب وتفريقها إليه - عز وجل - لا إلى غيره، ثم خلق دواعي الميل والألفة قد يكون مجردا عن سبب/ [210/ل] ، وقد يكون مبنيا على سبب، إما (صالح كالإسلام) وظهور المعجزات في تأليف قلوب الصحابة ونحوهم من أتباع الرسل، أو فاسد كأكل الحرام ونحوه في تأليف قطاع الطريق ونحوهم من المفسدين.
{يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (64) [الأنفال: 64] قيل:
معناه يكفيك ويكفي من اتبعك، فمن عطف على الكاف في {حَسْبُكَ} [الأنفال: 64] محلا. وقيل: هي عطف على الله، أي: ويكفيك المتبعون من المؤمنين؛ بدليل {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62] فالكفاية هاهنا مضافة إلى الله - عز وجل - خلقا، وإلى المؤمنين سعيا وكسبا على رأي الجمهور.
{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 65] نسخت بما بعدها
إحداهما: نسخ الحكم إلى أخف منه؛ لأن ثبوت الواحد لاثنين أخف من ثبوته لعشرة، ويجوز أيضا إلى الأثقل والمساوي.