فإن زعموا أن حقيقة الشر منه فأمحل الحال أن ينسب إليه ما هو متبرئ منه ، مع أنه ليس يعجب منهم أن يكذبوا على الشيطان وقد كذبوا على الله.
ومثل هذا قوله في سورة إبراهيم: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ)
فقد تبرأ من السلطان كما ترى ، فكيف يكون الشر منه وهو لا ينفذ سلطانه فيه بأكثر من أن له جزءا في التزيين ، وذلك الجزء أيضا مخلوق فيه
ذكر زوال النعمة بإحداث الشر عقوبة.
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)
دليل على أن الله - جل وعلا - قد يسلب النعم بفعل المعصية عقوبة لفاعليها ، ولا أحسب - والله أعلم - قوله في سورة الرعد: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)
إلا على هذا المعنى من أنه لا يغير ما بهم من النعم حتى يحدثوا أحداثا يعاقبهم الله عليها ، فيغير ما بهم ، ويكون الإحداث سببا للتغيير.
في ذكر الجهاد:
قول: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ)
دليل على أن التحرز وأعمال الواسطات غير مؤثرة في توكل المؤمنين.
ألا ترى أنه - جل جلاله - قد قال في هذه السورة بعينها: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)
وقال: (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ) ،
ثم أمر بإعداد القوة - وهي في التفسير الرمي - ورباط الخيل لإرهاب العدو.
ذكر قبول الإجماع: