حجة على المعتزلة والقدرية ، إذ ليس يخلو هذا القضاء من أن يكون سابقا في هلاك من يهلك عن بينة ، وحياة من يحيا عنها ، فينقذه في ذلك الوقت ، أو مبتدأ فيهم ، وأيهما كان ، فالله فاعله.
وهكذا الآية التي بعدها: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(44)
بل قد زاد فيها كما ترى ، وجعل مرجع الأمور كلها إليه.
ذكر الجهاد:
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا)
إلى قوله (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)
دليل على أن لا يصلح في الحرب إلا مدبرا واحدا ، وأن منازعته والخلاف عليه داع إلى الفشل وتشويش الأمر ، والصبر - والله أعلم - في الآية جامع للثبات ولزوم طاعة الأمير في تدبير الحرب.
تزيين الشيطان:
وقد مضى قولنا في تزيين الشيطان قبل هذا في سورة الأنعام بما يغني عن إعادته في هذا الموضع غير أن في قوله: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)
إلى قوله: (وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ(48)
زيادة لم نذكرها هناك وهي أنهم يجعلون الشر من الشيطان على الحقيقة بقوة وسلطان له فيه ، وقد أنبأ الشيطان عن نفسه في هذا الموضع بأنه لا يقدر على ضر أحد ولا نفعه ، وأن تزيينه غرور ، وقوله كذب لا حقيقة.
فإن كانوا يزعمون أن تزيين الشر قد يكون من الشيطان ، لا أن نفس
الشر منه فنحن لا نخالفهم ، بعد أن لا يقولوا: إنه منفرد به ؛ إذ لا يصلح أن يفرد بهذا الفعل ، وقد قال الله - تبارك وتعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ(4) .