أما كان يستطيع سبحانه وتعالى أن يقول: شرحنا لك صدرك؟ كان يستطيع ذلك . ولكنه يأتي بالاستفهام الذي يكون جوابه: بلى لقد شرحت لي صدري . وينبه قوله تعالى: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ...}
إلى مقارنة الأصنام بالبشر . فالبشر لهم أرجل وأيْدٍ وأعين وآذان ، وكل من هذه الجوارح لها عمل تؤديه ، وهكذا يتأكد للمشركين أنهم أعلى مرتبة من أصنامهم . فكيف يجوز في عرف العقل أن يكون الأعلى مرتبة مربوباً للأدنى مرتبة؟ إن ذلك لون من الحمق . {... قُلِ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ}
ورسول الله جاء بهذا القول ليدحض إيمانهم بهذه الأصنام التي اتخذوها آلهة وليسفه أحلامهم فيها ، وبذلك أعلن العداوة ضدهم - العابدين ، والمعبودين - وصارت خصومة واقعة ، وسألهم أن يدعوا الشركاء ليكيدوا لرسول الله بالأذى أو التعب أو منع النصر الذي جاء للإسلام ، إن كانت عندكم أو عندهم قدرة على ضر أو نفع {قُلِ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ} .
ويتحداهم صلى الله عليه وسلم أن يكيدوا هم وآلهتهم ، والكيد هو التدبير الخفي المحكم . وانظروا ما سوف يحدث ، ولن يصيب رسول الله بإذن ربه أدنى ضر .
ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى قد أجرى على رسول الله أشياء ، ليثبت بها أشياء ، وقد قالوا: إن واحداً قد سحر النبي ، ولنفرض أن مثل ذلك السحر قد حصل ، فكيف ينسحر النبي؟ ونقول: ومن الذي قال: إنه سحر؟ .
إن ربنا أعلمه بالساحر وبنوع السحر ، وأين وضع الشيء الذي عليه السحر ، ليبين لهم أن كيدهم حتى بواسطة شياطينهم مفضوح عند الله . {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ...} [الأنفال: 30] .