فأوحى الله إليه: «إنما علمها عنده استأثر به، فلا يطلع عليه ملكا مقربا ولا رسولا» وما روي عن قتادة قال: قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلّم: إن بيننا وبينك قرابة. فأشر إلينا متى الساعة، فقال: الله عز وجل: {يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها} .
وقرأ عبد الله: {كأنك حفي بها} بالباء مكان عن؛ أي: عالم بها، بليغ في العلم بها {قُلْ} لهم يا محمد {إِنَّما عِلْمُها} ؛ أي: علم حقيقتها أو علم وقت مجيئها كائن {عِنْدَ اللَّهِ} سبحانه وتعالى، استأثر بعلمه لا يعلمه أحد من خلقه، أنا ولا غيري، وكرر الجواب إثر تكرير السؤال مبالغة في التأكيد، وإيآسا لهم من العلم بوقت مجيئها، وتخطئة لمن يسألون عنها، وعبّر في هذا الجواب بلفظ الجلالة حيث قال: {عِنْدَ اللَّهِ} وفي الجواب السابق بلفظ: {رَبِّي} حيث قال: {عِنْدَ رَبِّي} إشارة إلى أنّه استأثر بعلمها لألوهيته، كما أشعر في السابق بأن علمها من شؤون ربوبيته، وكلاهما مستحيل على خلقه.
{وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} ؛ أي: لا يعلمون اختصاص علمها به تعالى، ولا حكمة ذلك، ولا أدب السؤال ولا نحو ذلك مما ينبغي أن يعلم في هذا الباب، وإنّما يعلم ذلك القليلون منهم، وهم المؤمنون بما جاء في كتاب الله من أخبارها، وبما سمع من رسوله صلى الله عليه وسلّم، كمن حضروا تمثل جبريل عليه السلام بصورة رجل، وسؤاله النبي محمد صلى الله عليه وسلّم عن الإيمان والإسلام والإحسان، ثم عن الساعة؟ وإجابة النبي صلى الله عليه وسلّم له عن سؤاله الأخير بقوله: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» ؛ أي: إنا سواء في جهل هذا الأمر، فلا يعلم أحد منا متى تقوم الساعة.
وقال الطبري: المعنى: لا يعلمون أنّ هذا الأمر لا يعلمه إلا الله، بل يظن أكثرهم أنّه مما يعلمه البشر. اهـ وقيل: لا يعلمون أن القيامة حق؛ لأنّ أكثر الناس ينكرون المعاد ويقولون: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا} ... الآية. قيل: لا يعلمون أني أخبرتك أن وقتها لا يعلمه إلا الله، وقيل: لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقتها، والأظهر قول الطبري كما أشرنا إليه في الحل.