"وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة، وإلى الأحمر"
والأسود"."
فمن المعلوم أنه - جلَّ جلالُه - عم بالنبوة والأنبياء العالم كله إلا في القرط، كـ يأجوج
ومأجوج وأمثالهم، وإنه قد جاء في كتاب"النبوات": إن الأنبياء قد بلغتهم وأنبأْتهم
بما يكون منهم في خروجهم، ثم ما يكون من هلاكهم وخوطبوا بذلك.
وبالجملة: فإن الإنباء والنبوة فيما هنالك وما قاربهم، وفي أكثر الأقطار
المحيطة بالمعمور غريب قليل، وأما سَننه... وسيره فظاهره ذلك ولو كان ذلك
كذلك لكان غريبًا ذكرًا وخبرًا، وقد نرى مع لزومها فيما هَاهُنَا وشياعها عموم
النسيان، وحلول الغفلة، واستيلاء القسوة على القلوب، فكيف بأُولَئِكَ؟.
وذكر الله جل ذكره قوله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ(181)
منتظمة بالمجاورة بقوله جل قوله:(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ
بِهَا)فالظاهرا أن الحق المعني في قوله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ)
هو الحق المبثوث في العالم في السَّمَاوات والأرض الذي
فطرهن الله عليه، وهو المتصل بإيمان الفطرة، وهو الإيمان الذي يتحصل بالنظر
والفكر والتذكر، وما دلت عليه دلائل المصنوعات، وسندت به ضروب الآيات،
وقامت عليه البينات المنفصلة من معاني الأسماء والصفات، وكان ذلك ظاهرًا
من نبوة آدم - عليه السَّلام - من علمه بالأسماء التي علمه الله - عز وجل - إياها ثم اتصل ذلك
أيضًا بالأئمة الراشدين من ذريته من بعده إلى أن نجم قرن الضلال، وظهر الكفر
ختى طبق الأرض إلا ما شاء الله منها، فإن اللَّه لا يخلي الأرض من قائمين بحجته،
وعاملين له بما يرضيه من طاعته.
عبر عن هذه الحال المذكورة قوله - عز وجل -: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: على
الإسلام والإيمان، وحذف ذكر الاختلاف، ثم قال:(فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ
وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)بقوله الحق، وهذا حق مؤكد للحق
المحصل، والنظر والاختلاف الواقع فيه من أجل اختلاف الآراء يبينه الكتاب