ولا تُحمل أفعال العباد على أفعال الإله ، وبالحقيقة الأفعال كلها لله جل جلاله ، والخلُق بأجمعهم له ، صَرْفهم كيف شاء ، وحَكَم بينهم بما أراد ، وهذا الذي يجده الآدميّ إنما تبعث عليه رِقة الجِبِلّة وشفقة الجنسيّة وحبُّ الثناء والمدح ؛ لما يتوقع في ذلك من الانتفاع ، والباري تعالى متقدّس عن ذلك كله ، فلا يجوز أن يعتبر به"."
الثالثة واختلف في هذه الآية ، هل هي خاصّة أو عامّة.
فقيل: الآية خاصة ؛ لأنه تعالى قال: {مِن بني آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ} فخرج من هذا الحديث من كان من ولد آدم لصُلْبه.
وقال جل وعز: {أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ} فخرج منها كلُّ مَن لم يكن له آباء مشركون.
وقيل: هي مخصوصة فيمن أخذ عليه العهد على ألسنة الأنبياء.
وقيل: بل هي عامّة لجميع الناس ؛ لأن كلّ أحد يعلم أنه كان طفلاً فغُذّي ورُبِّيَ ، وأن له مُدَبِّراً وخالقاً.
فهذا معنى {وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ} .
ومعنى {قَالُواْ بَلَى} أي إن ذلك واجب عليهم.
فلما اعترف الخلق لله سبحانه بأنه الربّ ثم ذهلوا عنه ذكّرهم بأنبيائه وختم الذِّكر بأفضل أصفيائه لتقوم حجته عليهم فقال له: {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} [الغاشية: 22] .
ثم مكّنه من السيطرة ، وأتاه السلطنة ، ومكّن له دينه في الأرض.
قال الطَّرْطوشي: إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة ، كما يلزم الطلاقُ من شُهد عليه به وقد نَسِيَه.
الرابعة وقد استدل بهذه الآية من قال: إن من مات صغيراً دخل الجنة لإقراره في الميثاق الأوّل.
ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأوّل.
وهذا القائل يقول: أطفال المشركين في الجنة ، وهو الصحيح في الباب.
وهذه المسألة اختُلف فيها لاختلاف الآثار ، والصحيح ما ذكرناه.
وسيأتي الكلام في هذا في"الرُّوم"إن شاء الله.