والمعنى الثاني يقتضي أنكم صوروا أنفسكم وأنزلوها هذه المنزلة ثم انظروا أتفوتونا وتعجزونا أم قدرتنا ومشيئتنا محيطة بكم ولو كنتم كذلك وهذا من أبلغ البراهين القاطعة التي لا تعرض فيها شبهة البتة بل لا تجد العقول السليمة عن الإذعان والانقياد لها بدا فلما علم القوم صحة هذا البرهان وأنه ضروري انتقلوا إلى المطالبة بمن يعيدهم فقالوا من يعيدنا وهذا سواء كان سؤالا منهم عن تعيين المعيد أو إنكارا منهم له فهو من أقبح التعنت وأبينه ولهذا كان جوابه {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} ولما علم القوم أن هذا جواب قاطع انتقلوا إلى باب آخر من التعنت وهو السؤال عن وقت هذه الإعادة فأنغضوا إليه رءوسهم وقالوا متى هو فقال تعالى {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً} فليتأمل اللبيب لطف موقع هذا الدليل واستلزامه لمدلوله استلزاما لا محيد عنه وما تضمنه من السؤالات والجواب عنها أبلغ جواب وأصحه وأوضحه فلله ما يفوت المعرضين عن تدبر القرآن المتعوضين عنه بزبالة الأذهان ونخالة الأفكار.
ومنه قوله تعالى {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} وقوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} جعل الله سبحانه إحياء الأرض بعد موتها نظير إحياء الأموات وإخراج النبات منها نظير إخراجهم من القبور ودل بالنظير على نظيره وجعل ذلك آية ودليلا على خمسة