ولأنوحن نوح الثاكلين إذ لا نائح لي ينوح علي لهذه المصائب المكتومة، والخلال المغطاة التي قد سترها من خبرها، وغطاها من علمها.
والله ما أجد لنفسي خلة استحسن أن أقول متوسلاً بها. اللهم اغفر لي كذا بكذا.
والله ما ألتفت قط إلا وجدت منه سبحانه براً يكفيني ووقاية تحميني. مع تسلط الأعداء.
ولا عرضت حاجة فممدت يدي إلا قضاها. هذا فعله معي وهو رب غني عني. وهذا فعلي وأنا عبد فقير إليه.
ولا عذر لي فأقول ما دريت أو سهوت.
والله لقد خلقني خلقاً صحيحاً سليماً، ونور قلبي بالفطنة، حتى أن الغائبات والمكتومات تنكشف لفهمي.
فواحسرتاه على عمر انقضى فيما لا يطابق الرضى.
وارحماني لمقامات الرجل الفطناء. يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وشماتة العدو بي.
واخيبة من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارح علي.
واخذلاني عند إقامة الحجة، سخر والله مني الشيطان وأنا الفطن.
اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار، ونهضة صادقة لتصفية ما بقي من الأكدار.
وقد جئتك بعد الخمسين وأنا من خلق المتاع.
وأبى العلم إلا أن يأخذ بيدي إلى معدن الكرم، وليس لي وسيلة إلا التأسف والندم.
فوالله ما عصيتك جاهلاً بمقدار نعمك، ولا ناسياً لما أسلفت من كرمك فاغفر لي سالف فعلي. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...