إذن يشترط في المقنن ألا يكون مساويا للمقنن له ، وألا تغيب عنه قضية من القضايا حتى لا يستدرك عليه ، وألا يكون منتفعا بالتشريع ، ولا يوجد ذلك في بشر أبدا ، فأوضح الحق: اتركوا حضيض التشريع البشري وارتفعوا إلى السماء لتأخذوا تقنينكم منها ؛ فحين ينادي الله"تعالوا"فمعناها ارتفعوا عن حضيض تقنين بشريتكم إلى الأعلى لتأخذوا منه تقنيانكم التي تحكم حركة حياتكم ، فهو لا ينتفع بما شرع ، بل أنتم الذين تنتفعون ، ولأنه لا يغيب عنه شيء سبحانه ، وهو خالق ، هو أولى ان يشرع لكم . {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} [الأنعام: 151]
"أتل"من التلاوة وهي القراءة {ما حرم ربكم عليكم} أي ما جعله حراما . . أي يمتنع عليهم فعله ، وسأقول لكم كل البلاغات بلاغا بعد بلاغ . {ألا تشركوا به شيئا} [الأنعام: 151]
لقد جاء سبحانه بتحريم الشرك من خلال تركيب لغوي يؤكد علينا ألا نشرك به ؛ فأنت ساعة تأتي لتلقى أوامر لمن ترأسه تقول له: استمع إلى ما أمنعك منه فاتبعه . ثم تبدأ في التفصيل ، والحق هنا جاء بأول بند من المحرمات والمحظورات هو ألا نشرك به شيئا . أي أتلو عليكم تحريم الشرك ، فأول المحرمات الشرك ، وعلينا أن نوحد الله ، فكل نهى عن شيء أمر بمقابله وكل أمر بشيء نهى عن مقابله .
وعلى ذلك فكل أمر يستلزم نهيا ، وكل نهي يستلزم أمرا . فلا تلتبس عليكم الأوامر والنواهي . أو تكون"عليكم"منطقعة عما قبلها ، أي عليكم ترك الشرك ، وعليكم إحسانا بالوالدين ، وألا تقتلوا أولادكم ، وألا تقربوا الفواحش . . أي ألزموا ذلك .
ثم يقول سبحانه: {وبالوالدين إحسانا} وسبحانه يأمر هنا بتأكيد الإحسان إلى الوالدين ؛ فهو أمر بإيجاب ويستلزم نهيا عن مقابله وهو عقوق الوالدين ، أي لا تعقوهم . فعدم الإحسان إلى الوالدين يدخل فيما حرم الله . ثم يقول سبحانه: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم . .} [الأنعام: 151]