هذا القدَر الذي يجريه الله في كل مرة ، فيهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور ، يحافظ على توازن دائم في الأرض كلها بين عدد من يجري بهم ليكونوا إناثاً ، وعدد من يجري بهم ليكونوا ذكوراً. فلا يقع اختلال - على مستوى البشرية كلها - في هذا التوازن. الذي عن طريقه يتم الإخصاب والإكثار ، وتتم به حياة زوجية مستقرة في الوقت ذاته.. ذلك أن الإخصاب والإكثار وحده قد يتم بأقل عدد من الذكور.. ولكن الله قدر في الحياة الإنسانية أن هذا ليس هو غاية الالتقاء بين الذكر والأنثى ؛ إنما الغاية - التي تميز الإنسان من الحيوان - هي استقرار الحياة الزوجية بين ذكر وأنثى.. لما وراء هذا الاستقرار من أهداف لا تتم إلا به. وأهمها استقرار الذرية في كنف أبوين في محيط أسرة ، ليتم إعداد هذه الذرية لدورها"الإنساني"الخاص - فوق إعدادها لتحصيل القوت وحماية النفس كالحيوان - والدور"الإنساني"الخاص يحتاج إلى الاستقرار بين أبوين في أسرة فترة أطول جداً مما تحتاج إليه طفولة الحيوان!
وهذه الموازنة الدائمة تكفي وحدها لتكون آية على تدبير الخالق وحكمته وتقديره.. ولكن لقوم يفقهون:
{قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} ..
أما المطموسون المحجوبون.. وفي أولهم أصحاب"العلمية"الذين يسخرون من"الغيبية". فإنهم يمرون على هذه الآيات كلها مطموسين محجوبين: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} ثم يمضي السياق إلى مشاهد الحياة المتفتحة في جنبات الأرض. تراها الأعين ، وتستجليها الحواس ، وتتدبرها القلوب. وترى فيها بدائع صنع الله.. والسياق يعرضها - كما هي في صفحة الكون - ويلفت إليها النظر في شتى أطوارها ، وشتى أشكالها ، وشتى أنواعها ؛ ويلمس الوجدان بما فيها من حياة نامية ، ودلالة على القدرة التي تبدع الحياة ؛ كما يوجه القلب إلى استجلاء جمالها والاستمتاع بهذا الجمال: