هنا - سبحانه - أتى باللام في قوله تعالى: (لجعلناه) للتأكيد ؛ لأن الإنسان له في هذا الأمر عمل ، إنه حرث وتعهد ما زرعه بالريّ والكد حتى نما وأثمر ، لكن قد تصيبه آفة تقضي عليه ، فالأسباب وإن كانت قد عملت إلا أنها لا تضمن الانتفاع بثمرة الزرع ، ذلك لأن الأسباب لا تتمرد ، ولا تتأبى على الله ولا تخرج عليه ، إنها تؤدي ما يريده منها الله ، وقد يعطلها سبحانه . أما في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} ، إنه سبحانه لم يقل لجعلناه ، لأنه ليس لأحد فيه عمل لذلك لم يؤكده باللام .
ويقول سبحانه: {أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ المنشئون * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 71 - 73] .
إن كل شيء يذكره الحق يذكر معه أيضاً ما ينقضه ، ذلك حتى لا يُفْتَن الإنسان بوجود الأشياء ، وعليه أن يستقبل الأشياء مع إمكان إعدامها . وإذا ما كان الإنسان هو الذي يحرث فالحق بطلاقة قدرته قد يجعل النبات حطاماً ، ومن قبل قال عن مقومات الحياة: {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون} [الواقعة: 58 - 59] .