وذكر من استخفّوا بالقرآن فقال بعضهم: أنا أوحيَ إليّ ، وقال بعضهم: أنا أقول مثلَ قول القرآن ، فيكون المراد بقوله: {ومن أظلم ممَّن افترى على الله كذباً} تسفيه عقائد أهل الشّرك والضّلالة منهم على اختلافها واضطرابها.
ويجوز أن يكون المراد مع ذلك تنزيه النّبيء صلى الله عليه وسلم عمّا رموه به من الكذب على الله حين قالوا: {ما أنزل الله على بشر من شيء } [الأنعام: 91] لأنّ الّذي يعلم أنّه لا ظلم أعظم من الافتراء على الله وادّعاءِ الوحي باطلاً لا يُقدم على ذلك ، فيكون من ناحية قول هرقل لأبي سفيان"وسألتُك هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكَرْتَ أنّ لا ، فقد أعرِفُ أنّه لم يكن ليَذَر الكذب على النّاس ويكذب على الله".
والاستفهام إنكاري فهو في معنى النّفي ، أي لا أحد أظلم من هؤلاء أصحاب هذه الصّلات.
ومساقه هنا مساق التّعريض بأنّهم الكاذبون إبطالاً لتكذيبهم إنزال الكتاب ، وهو تكذيب دلّ عليه مفهوم قوله: {والّذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به} [الأنعام: 92] لاقتضائه أنّ الّذين لا يؤمنون بالآخرة وهم المشركون يكذّبون به ؛ ومنهم الذّي قال: أوحي إليّ ؛ ومنهم الّذي قال: سأنزل مثل ما أنزل الله ؛ ومنهم من افترى على الله كذباً فيما زعموا أنّ الله أمرهم بخصال جاهليتهم.
ومثل هذا التّعريض قوله تعالى في سورة [العقود: 60] {قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه} الآية عقب قوله: {يا أيّها الّذين آمنُوا لاَ تَتَّخذُوا الَّذين اتَّخذوا دِينكم هُزؤاً ولعباً من الَّذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفّار أولياء} [المائدة: 57] الآية.
وتقدّم القول في {ومَنْ أظلم} عند قوله تعالى: {ومن أظلم ممّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه}
في سورة البقرة: 114].