وليس المقصود ، كما يتصيد أعداء الإسلام من المستشرقين ، أن تقصر الدعوة على أهل مكة ومن حولها. فهم يقتطعون هذه الآية من القرآن كله ، ليزعموا أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - ما كان يقصد في أول الأمر أن يوجه دعوته إلا إلى أهل مكة وبعض المدن حولها. وأنه إنما تحول من هذا المجال الضيق الذي ما كان خياله يطمح في أول الأمر إلى أوسع منه ؛ فتوسع في الجزيرة كلها ، ثم همَّ أن يتخطاها.. لمصادفات لم يكن في أول الأمر على علم بها! وذلك بعد هجرته إلى المدينة ، وقيام دولته بها!. . وكذبوا.. ففي القرآن المكي ، وفي أوائل الدعوة ، قال الله سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107] .. {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً} [سبأ: 28] ولعل الدعوة يومذاك كانت محصورة في شعاب مكة يحيط بها الكرب والابتلاء!
{والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ، وهم على صلاتهم يحافظون} ..
فالذين يؤمنون بأن هناك آخرة وحساباً وجزاء ، يؤمنون بأن الله لا بد مرسل للناس رسولاً يوحي إليه ؛ ولا يجدون في نفوسهم مشقة في التصديق به ؛ بل إنهم ليجدون داعياً يدعوهم إلى هذا التصديق. كما أنهم لإيمانهم بالآخرة وبهذا الكتاب يحافظون على صلاتهم ، ليكونوا على صلة دائمة وثيقة بالله ؛ وليقوموا بطاعته ممثلة في الصلاة.. فهي طبيعة نفس.. متى صدقت بالآخرة واستيقنتها ، صدقت بهذا الكتاب وتنزيله ، وحرصت على الصلة بالله وطاعته.. وملاحظة نماذج النفوس البشرية تصدق في الواقع هذا الكلام الصادق بذاته.