قلت: والذي استقرأته وتحققته أنه لم يكن ذو جمال وصورة حسنة، فصين جماله عن الامتهان بالفسق، واتَّزر هو بالعفة وارتدى بالصيانة إلا بقي جماله وحسن طلعته في كبره إلى وفاته وبعد موته، ومن امتهن جماله بالفجور لم يلبث جماله أن يقبح شيئًا فشيئاً خصوصاً عند نبات وجهه.
وكذلك عرض على الجمال والبهاء في هذه الأعصار أكل المكيفات المسكرة والمسطلة، والمخدرات المؤثرات في نضارة الأجساد وماء
الوجوه ما انتقل به أهلها إلى قبح الصورة وبشاعة المنظر حتى حمل بعض العلماء المسخ الذي يكون في بعض هذه الأمة في آخر الزمان على هذا، والله سبحانه أعلم.
49 -ومنها: ذم الدنيا وتحقيرها.
قال الله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ (77) } [سورة النساء: 77] .
أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بتقليل الدنيا وذمها، وذلك مما أجمع عليه أنبياء الله تعالى.
وروى أبو الحسن بن جهضم عن السري السقطي رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم عليهما السلام: الدنيا مزرعة إبليس، وأنتم - أي: معاشرَ المشتغلين بها المكبين عليها - عمَّارُها؛ أي: مستخدموه في عمارتها وحراستها.
وروى البيهقي في"الشعب"عن الحسن رحمه الله مرسلاً قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"حُبُّ الدُّنْيَا رَأسُ كُلِّ خَطِيْئَةٍ".
ورواه الإمام أحمد في"الزهد"من كلام عيسى عليه السلام.
وفي كتاب الله عز وجل: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19) } [سورة الأعلى: 16 - 19] .
قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا} [سورة الأعلى: 18] ؛ أي: ذم الدنيا وذم إيثارها، وكون الآخرة خيرًا منها هو في الصحف الأولى بمعنى في كتب الله كلها.
روى ابن أبي حاتم عن الحسن، وروى هو وابن جرير عن قتادة رحمه الله تعالى: أنه قال في الآية: تتابعت كتب الله كما تسمعون أن الآخرة خيرٌ من الدنيا.
50 -ومنها: الزهد والتقلل من الدنيا، وإيثار الخشن من الثياب والعيش.