ولو كان موسى - عليه السلام - قاصدًا القتل لاستخدم وسائل القتل كما هو معروف.
الوجه الثالث: أن موسى - عليه السلام - لم يتعمد قتله، وإنما قصد دفعه.
إن فعل موسى - عليه السلام - كان من قبيل دفع الصائل - دفع ظالم عن مظلوم - وهو لا إثم عليه فيه، وأشار له القرطبي بقوله: وإنما أغاثه لأن نصر المظلوم دين في الملل كلها على الأمم، وفرض في جميع الشرائع.
الوجه الرابع: إشكالات، والرد عليها.
الأول: أما عن قول موسى - عليه السلام: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} فالجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ قوله:"هذَا"إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه أي: عمل هذا المقتول من عمل الشيطان، والمراد منه بيان كونه مخالفًا لله تعالى مستحقًا للقتل.
الوجه الثاني: أنَّ قوله:"هذَا"إشارة إلى المقتول، يعني: أنه من جند الشيطان وحزبه، يقال: فلان من عمل الشيطان، أي: من أحزابه.
الوجه الثالث: وهو مما لحقه من الغضب حتى أدى إلى الوكزة التي قضت على القبطي.
الثاني: وأما عن قولهم: إنْ كان كافرًا حربيًا فَلِمَ استغفر من قتله بقوله: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} ؟
فالجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: كون الكافر مباح الدم أم لا يختلف باختلاف الشراع، فلعلَّ قتلهم كان حرامًا في ذلك الوقت.
وهذا ما جزم به أبو السعود والشوكاني حيث قالا: لأنه لم يكن إذ ذاك مأمورًا بقتل الكفار.
الوجه الثاني: وإنما جعل قتل الكافر من عمل الشيطان وسماه ظلمًا لنفسه واستغفر منه؛ لأنه كان مستأمنًا فيهم ولا يحل قتل الكافر الحربي المستأمن.
الوجه الثالث: إن كان مباحًا لكن الأولى تركه - تأخير قتل الكفار إلى زمان آخر فلما قتل ترك ذلك المندوب - فطلب المغفرة من تركه للأولى كما هو سنة المرسلين في استعظامهم خلاف الأولى.
الوجه الرابع: أنه قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} فعلى نهج قول آدم - عليه السلام: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} (الأعراف: 23) أي: قاله على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإِنْ لم يكن هناك ذنب قط.