أما الأول: فنقول: اختيار الروحانيات إذا كان مقصوراً على أحد الطرفين ، محصوراً: كان في وضعه مجبوراً ، ولا شرف في الجبر. واختيار البشر تردد بين طرفي الخير والشر ؛ فمن جانب يرى آيات الرحمن ، ومن طرف يسمع وساوس الشيطان ؛ فتميل به تارة دعوة الحق إلى امتثال الأمر ، وتميل به طوراً داعية الشهوة إلى أتباع الهوى ؛ فإذا أقر طوعاً وطبعاً بوحدانية الله تعالى ، واختار من غير جبر وإكراه طاعته ، وصير اختياره المتردد بين الطرفين مجبوراً تحت أمره تعالى باختيار من جهته من غير إجبار: صار هذا الاختيار أفضل وأشرف من الاختيار المجبور فطرة... كالمكره فعله: كسباً ، الممنوع عما لا يجب: جبراً ؛ ومن لا شهوة له ؛ فلا يميل إلى المشتهى ؛ كيف يمدح عليه؟ وإنما المدح كل المدح لمن زين له المشتهى ؛ فنهى النفس عن الهوى...فتبين أن اختيار البشر أفضل من اختيار الروحانيات.