فابتدأ بكسر مذاهب أصحاب الأشخاص وذلك قوله تعالى:"وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم"، وتلك الحجة: أن كسرهم قولاً بقوله:"أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون"! ولما كان أبوه آزر هو أعلم القوم بعمل الأشخاص والأصنام ، ورعاية الإضافات النجومية فيها حق الرعاية ؛ ولهذا كانوا يشترون منه الأصنام لا من غيره: كان أكثر الحجج معه ، وأقوى الإلزامات عليه ؛ إذ قال عليه السلام لأبيه آزر: أتتخذ أصناماً آلهة؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين ، وقال: يا أبت! لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً؟ ؛ لأنك جهدت كل الجهد ، واستعملت كل العلم حتى عملت أصناماً في مقابلة الأجرام السماوية ، فما بلفت قوتك العلمية والعملية إلى أن تحدث فيها سمعاً وبصراً ، وأن تغني عنك ، وتضر وتنفع. وأنت بفطرتك وخلقتك أشرف درجة منها ؛ لأنك خلقت: سميعاً ، بصيراً ، نافعاً ، ضاراً ؛ والآثار السماوية فيك أظهر منها في هذا المتخذ تكلفاً والمعمول تصنعاً ، فيالها من حيرة! إذ صار المصنوع!: يا أبت! لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً: با أبت! إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن... ثم دعاه إلى الحيفية الحقة ؛ قال: يا أبت! إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك ، فاتبعني أهدك صراطاً سوياً... قال: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟!... فلم تقبل حجته القوية. فعدل عليه السلام عن القول إلى الكسر للأصنام بالفعل ، فجعلهم جذاذاً غلا كبيراً لهم ؛ فقالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟.. قال: بل فعله كبيرهم هذا ، فاسألوهم إن كانوا ينطقون ، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون ، ثم نكثوا عن رؤوسهم ، لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. فافحمهم بالفعل ؛ حيث أحال الفعل على كبيرهم ، كما أفحمهم بالقول ؛ حيث أحال الفعل منهم. وكل ذلك على طريق الإلزام عليهم ؛ وإلا فما كان الخليل كاذباً قط. ثم عدل إلى كسر مذاهب أصحاب