وقوله تعالى: {قَالَ هذا رَبّى} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من (الجملة) الشرطيةِ السابقةِ المتفرعة على بيان إراءتِه عليه السلام ملكوتَ السماواتِ والأرض فإن ذلك مما يحمِلُ السامعَ على استكشاف ما ظهرَ منه عليه السلام من آثار تلك الإراءةِ وأحكامِها، كأنه قيل: فماذا صنعَ عليه السلام حين رأى الكوكب؟ فقيل: قال على سبيل الوضْع والفرضِ: هذا ربي مجاراةً مع أبيه وقومِه الذين كانوا يعبُدون الأصنامَ والكواكب، فإن المستدِلَّ على فساد قولٍ يحكيه على رأي خصمِه، ثم يَكُرُّ عليه بالإبطال، ولعل سلوكَ هذه الطريقة في بيان استحالةِ ربوبيةِ الكواكب دون بيانِ استحالةِ إلهية الأصنام لما أن هذا أخفى بُطلاناً واستحالةً من الأول، فلو صدَعَ بالحق من أول الأمرِ كما فعله في حقّ عبادةِ الأصنام لتمادَوْا في المكابرة والعِناد، ولجُّوا في طُغيانهم يعمَهون. وقيل: قاله عليه السلام على وجه النظر والاستدلال، وكان ذلك في زمان مراهقتِه وأولِ أوانِ بلوغه، وهو مبنيٌّ على تفسير الملكوتِ بآياتهما، وعَطْفِ قوله تعالى: {لِيَكُونَ} على ما ذُكر من العلة المقدرة، وجَعْلِ قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ} الخ، تفصيلاً لما ذُكر من الإراءة وبياناً لكيفية الاستدلال، وأنت خبير بأن كلَّ ذلك مما يُخِلُّ بجزالة النظمِ الجليل، وجلالةِ منصِبِ الخليلِ عليه الصلاة والسلام. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 3 صـ}