ثم أكد الله تعالى ترك المستهزئين بقوله: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ ..
أي دع أيها الرسول ومن تبعك من المؤمنين وأعرض عن هؤلاء المشركين الذين يتلاعبون بدينهم بعبادة الأصنام، يصنعونها ثم يأكلونها، فقد أضاعوا عمرهم فيما لا يفيد وهذا هو اللعب، وشغلوا أنفسهم عن العمل المفيد وهذا هو اللهو، وغرتهم الدنيا الفانية، وآثروها على الحياة الباقية، واشتغلوا بلذات الدنيا الحقيرة، فخاضوا في آيات الله بدلا عما كان يجب عليهم من فهمها وتدبرها وامتثالها. وهو كقوله تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا، وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر 15/ 3] .
وذكّر الناس بالقرآن وعظهم به لئلا تحبس عن الخير، وتمنع في جهنم نفس بما عملت، وتسلم إلى الهلاك، وترتهن بعملها الذي صدر منها في الدنيا، كقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ [المدثر 74/ 38 - 39] .
وقوله: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ أي والحال لا قريب ولا أحد يشفع فيها، ولا ناصر ينصرها، كقوله تعالى: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ
وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ
[غافر 40/ 18] وقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ، وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة 2/ 254] .
وكما لا تنفع الشفاعة والوساطة، لا ينفع بذل الفداء: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أي وإن بذلت كل فداء أو مبذول، ما قبل منها، كقوله تعالى:
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً، وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ، وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة 2/ 123] .
وهذا إبطال لمبدأ من مبادئ الوثنية: وهو رجاء النجاة في الآخرة كما في الدنيا بتقديم الفدية إلى لله تعالى، أو بشفاعة الشفعاء ووساطة الوسطاء عند الله تعالى.
وهذا الإبسال والإهلاك والعذاب في النار كان بسوء صنعهم، قال تعالى: