والذكر هنا مقصود به التذكير بالقرآن وهو المنهج النازل من السماء وطبقه رسول الله ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذكر أيضاً ، أو الذكر هنا مقصود به العذاب الذي ينتظر من يخالف المنهج ، وقوله الحق: {وَذَكِّرْ بِهِ} ، يدل على أن منطق الفطرة يقتضي أننا نعرف أن الحق لا يمكن أن يعامل المتقين في الدنيا كما يعامل المنحرفين . ومثال ذلك الإنسان الذي يخوض في أعراض الناس ويظلمهم لا يتصور أبداً - أن يلقى من الحق - سبحانه - المعاملة التي يعامل بها الإنسانَ الملتزم بمنهج الإيمان ؛ فالفطرة تقول لنا: إن الحق يجازي كل إنسان بعمله ، سواء أكان الجزاء في الدنيا أم في الآخرة . ومن المأثور عن بعض العرب أنه قال: لن يموت ظلوم حتى ينتقم منه الله . ومن بعد ذلك مات رجل ظلوم ولم ير فيه الناس انتقام السماء ، فقال الرجل العربي:
والله إن وراء هذه الدار داراً يُجازى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته .
{وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} والبَسْلُ معناه: المنع ، والمنع له صورتان: الأولى منع حركة حياة حي .
.أي أن تحبسه في مكان محدد يتحرك فيه ، والثانية: منع من أصل الحياة . . أي أن تهلكه وتزهق روحه ، {تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} أي تُمنع نفس بما كسبت ، والمنع إما بالهلاك أو بالحبس حبساً يديم عليها العذاب . والحبس - في أعراف البشر - وهو وضع إنسان في مكان لكفِّه عن ظلم غيره ، أي أننا نمنع شرور إنسان عن المجتمع بوضعه في الحبس .
وعندما جاء الإسلام لم يحبس فرداً إنما حبس المجتمع عن فرد ، وهذا عقاب أكبر وأشد ؛ فقد ترك الإسلام المجرم حرّاً في المجتمع ولكنه حبس المجتمع عنه ؛ فالمجرم يمشي فلا يجد من يكلمه أو يضحك له أو يفرح معه أو يشاركه حزنه .