كُرْهًا ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) (14: 22) الْآيَةَ . وَقَوْلُهُ: (قُضِيَ الْأَمْرُ) مَعْنَاهُ أَمْرُ الْحِسَابِ فِي الْآخِرَةِ . فَمَنْ وَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ فَأَمَرَهُ بِمُنْكَرٍ فَلَمْ يُطِعْهُ كَانَ مَحْفُوظًا مِنْ إِغْوَائِهِ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَيْهِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مَزِيَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يُوَسْوِسْ إِلَيْهِ وَلَمْ يُزَيِّنْ لَهُ الْمَعَاصِيَ ، إِذَا صَحَّ مَا قَالُوا فِي تَفْضِيلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ كَوْنِهِمْ قَدْ رُكِّبَتْ فِيهِمُ الشَّهَوَاتُ الدَّاعِيَةُ إِلَى الْمَعَاصِي ، فَقَاوَمُوهَا وَالْتَزَمُوا الطَّاعَةَ ، وَفِي إِطْلَاقِهِ بَحْثٌ نَدَعُهُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ هَرَبًا مِنَ التَّطْوِيلِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُتَّقِينَ قَدْ يَمَسُّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ - وَهُوَ الْوَسْوَسَةُ أَوْ مَبْدَؤُهَا - وَلَكِنَّهُ إِذَا مَسَّهُمْ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ فَلَا يَقَعُونَ فِي فَخِّ طَاعَتِهِ ، بَلْ يُنَبِّهُهُمْ طَائِفُهُ مِنَ الْغَفْلَةِ ، فَيَكُونُونَ بَعْدَ مَسِّهِ أَشَدَّ اتِّقَاءً لِمَا لَا يَنْبَغِي
وَاجْتِهَادًا فِيمَا يَنْبَغِي . وَالْأَنْبِيَاءُ الْمُرْسَلُونَ وَغَيْرُ الْمُرْسَلِينَ ، هُمْ سَادَاتُ الْمُتَّقِينَ ، فَهُمْ لَا يَغْفُلُونَ عَنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ ، فَأَنَّى يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِمْ أَدْنَى سُلْطَانٍ ؟ .