فهي الوفاة إذن حين يأخذهم النعاس ؛ هي الوفاة في صورة من صورها بما يعتري الحواس من غفلة ، وما يعتري الحس من سهوة ، وما يعتري العقل من سكون ، وما يعتري الوعي من سبات - أي انقطاع - وهو السر الذي لا يعلم البشر كيف يحدث ؛ وإن عرفوا ظواهره وآثاره ؛ وهو"الغيب"في صورة من صوره الكثيرة المحيطة بالإنسان.. وهؤلاء هم البشر مجردين من كل حول وطول - حتى من الوعي - ها هم أولاء في سبات وانقطاع عن الحياة. ها هم أولاء في قبضة الله - كما هم دائماً في الحقيقة - لا يردهم إلى الصحو والحياة الكاملة إلا إرادة الله.. فما أضعف البشر في قبضة الله!
{ويعلم ما جرحتم بالنهار} ..
فما تتحرك جوارحهم لأخذ أو ترك ، إلا وعند الله علم بما كسبت من خير أو شر.. وهؤلاء هم البشر مراقبين في الحركات والسكنات ؛ لا يند عن علم الله منهم شيء ، مما تكسبه جوارحهم بعد الصحو بالنهار!
{ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى} ..
أي يوقظكم في النهار من سباتكم وانقطاعكم ؛ لتتم آجالكم التي قضاها الله.. وهؤلاء هم البشر داخل المجال الذي قدره الله. لا مهرب لهم منه ، ولا منتهى لهم سواه!
{ثم إليه مرجعكم} ..
فهي الأوبة إلى الراعي بعد انقضاء المراح!
{ثم ينبئكم بما كنتم تعملون} ..
فهو عرض السجل الذي وعى ما كان ، وهو العدل الدقيق الذي لا يظلم في الجزاء.
وهكذا تشمل الأية الواحدة ، ذات الكلمات المعدودة ، ذلك الشريط الحافل بالصور والمشاهد ، والمقررات والحقائق ، والإيحاءات والظلال.. فمن ذا الذي يملك أن يصنع ذلك؟ وكيف تكون الآيات الخوارق ، إن لم تكن هي هذه؟ التي يغفل عنها المكذبون ، ويطلبون الخوارق المادية وما يتبعها من العذاب الأليم!