{ثُمَّ ردوا إلى الله مَوْلاَهُمُ الحق أَلاَ لَهُ الحكم} . ولماذا جاء بكلمة"الحكم"هنا؟ ؛ لأننا في دنيا الأغيار قد يسند سبحانه بعض الأحكام إلى بعض خلقه ؛ فهذا يحكم ، وذلك يتصرف ، وآخر يصدر قراراً بالتعيينات ، وكلها أحكام ، أما في الآخرة فالحق يقول: {لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16] .
وأنت في الدنيا تملك ، ويكون رزق ابنك - على سبيل المثال - من يدك ، وتملك أن تصدر قراراً بترقية من هو أقل منك ، وتملك أن تخيط الثوب لغيرك إن كانت تلك مهنتك ، ففي الدنيا كل منا يملك بعضاً من أسباب الآخر . لكن في الآخرة لا يوجد شيء من هذا: {لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16] .
وساعة تسمع"ألا له الحكم"ف"ألا"في اللغة أداة تنبيه لما يأتي بعدها ، ولماذا تأتي أداة التنبيه هنا؟ لأن الحكم القادم بعدها حكم مهم . والكلام - كما نعرف - واسطة بين متكلم ومستمع ؛ لأن المتكلم ينقل أفكاره وخواطره توجد في خياله نسبة ذهنية ، أي أنه يعايش مشروع الكلام ويتدبره قبل أن يتكلم ، أما السامع فهو يفاجأ ، وعندما تريد أن تقول أمراً مُهمٍّا فأنت تحاول أن تضمن انتباه السامع حتى لا تفلت منه أية جزئية من كلامك ، فتقول:"ألا"لتشد انتباه السامع تماما .
والحق هنا يقول:"ألا"ليأخذ انتباه السامع ، ويأتي بعدها قوله: {لَهُ الحكم} .
إذن: ساعة تسمع"ألا"فاعرف أن فيها تنبيهاً لأمر قادم {لَهُ الحكم} .
والحكم: هو الفصل بين أمرين ، ويختلف الفصل بين أمرين باختلاف الحاكم ؛ فإن كان الحاكم له هوى فالحكم يميل ، لكن الفصل بين الأمرين يجب أن يكون بلا هوى ، فالحكم بالميزان يقتضي أن تكون له كفة هنا وكفة تقابلها ، وساعة ما نضبط الميزان نحاول أن نوازن الكفتين لنفصل بين مسألتين ملتحمتين ، وما دمنا نريد التساوي فنحن نسمي ذلك: الإنصاف ، أي أن نقف في النصف دون ميل أو حيْف .