وَلَا نَدْرِي لِمَ وَقَفَ أَبُو حَامِدٍ هُنَا عِنْدَ صِفَةِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَلَمْ يُتِمَّ تَطْبِيقَ الْمَثَلِ . وَمِنَ الْمَعْلُومِ الْمُقَرَّرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالصُّوفِيَّةِ وَكَذَا الْفَلَاسِفَةُ أَنَّ قُدْرَةَ اللهِ تَعَالَى إِنَّمَا تَجْرِي بِمَا خَصَّصَتْهُ إِرَادَتُهُ وَاقْتَضَتْهُ مَشِيئَتُهُ ، وَأَنَّ تَخْصِيصَ الْإِرَادَةِ لِلْمُمْكِنِ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ دُونَ بَعْضٍ إِنَّمَا يَكُونُ بِحَسَبِ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ ، وَالْعِلْمِ بِوُجُوهِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَالنِّظَامِ وَالْخَلَلِ وَالْكَمَالِ وَالنَّقْصِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَقَابِلَةِ إِذَا كَانَ تَامًّا كَامِلًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الْإِرَادِيَّةِ مَا هُوَ عَيْنُ الْحِكْمَةِ ، فَلَوْ أَنَّ السَّائِلَ سَأَلَ الْإِرَادَةَ الْإِلَهِيَّةَ عَمَّا تَجْرِي بِهِ الْقُدْرَةُ بِتَخْصِيصِهَا فِي عَالَمِ التَّكْوِينِ ، لَأَجَابَتْهُ بِلِسَانِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَا اقْتَضَاهُ الْعِلْمُ الْإِلَهِيُّ الْمُحِيطُ بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، فَهُوَ عَيْنُ الْحِكْمَةِ وَغَايَةُ النِّظَامِ ، لَيْسَ فِيهِ خَلَلٌ وَلَا جُزَافٌ ، وَلَا هُوَ بِالْأَمْرِ الْأُنُفِ الَّذِي يَكُونُ بِمَحْضِ الِاسْتِبْدَادِ (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) (13: 8 ، 9) وَكِتَابَةُ مَقَادِيرِ الْخَلْقِ الَّتِي أَرْشَدَتْ إِلَيْهَا الْآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِهَا تُثْبِتُ هَذَا ، وَكُلَّمَا اتَّسَعَ عِلْمُ الْإِنْسَانِ بِالنِّظَامِ وَالْقَدَرِ الْإِلَهِيِّ فِي هَذَا الْكَوْنِ رَسَخَ إِيمَانُهُ بِذَلِكَ ، وَقَلَّتْ حَيْرَتُهُ ،