فللوحدة والإجمال وما نعت آنفا بالتقدّم: البطون، وللكثرة: الظهور والإبانة والفصل والإفصاح، ولمّا قدّر الإنسان على الصورة، وظهر نسخة وظلّا، جاءت نسخته على صورة الأصول التابعة لأصله، لا جرم كانت ضلالته متقدّمة على هدايته كما أخبر سبحانه عن أكمل النسخ وأتمّ الناس تحقّقا وظهورا بالكمال الإلهي والإنساني، بقوله: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى أي كنت بحال من لم يتعيّن له وجه الصواب والأولويّة فِي ما ذا، فعيّنه لك وميّزه وعلّمك ما لم تكن تعلم فكملت فِي مرتبة الهداية وغيرها، وامتلأت حتى فضت، فهديت وكمّلت، وانبسط منك الفيض على غيرك، فتعدّى بك خيري إلى الكون، وبي خيرك، فسبحان الذي خلق الإنسان وهداه النجدين، ثم اختار له الصراط السويّ الاعتدالي، وعلّمه ما لم يكن يعلم وكان فضل اللّه عليه عظيما.
فالجواذب - يا أخي - من كلّ ناحية وطرف تجذب، والدعاة بلسان المحبّة - من حيث إنّ الإنسان معشوق الكل، وحيث حكم الربوبيّة الذي انصبغ به الجميع - يدعون، والدواعي بحسب الجواذب والمناسبات للإجابة والانجذاب تنبعث، وأنت عبد ما أحببت
وما إليه انجذبت، والاعتدال فِي كلّ مقام وحال وغيرهما وسط، ومن مال عنه انحرف، ولا ينحرف إلّا منجذب بكلّه أو أكثره إلى الأقلّ.
ومن تساوت فِي حقّه أطراف دائرة كلّ مقام ينزل فيه أو يمرّ عليه ويثبت فِي مركزه هيولانيّ الوصف، حرّا من قيود الأحكام والرسوم، معطيا كلّ جاذب وداع حقّه وقسطه منه فقط، وهو - من حيث ما عدا ما تعيّن منه بالإقساط - باق على أصل إطلاقه وسذاجة طلسه، دون وصف ولا حال معيّن ولا حكم ولا اسم، فهو الرجل التابع ربّه فِي شؤونه، حيث أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى أي بيّن وأوضح كما قال الشيخ الكامل:
أصلّي إذا صلّت وأشدو إذا شدت ويتبعها قلبي إذا هي ولّت