ولا بد من تأكيد مسألة مهمة في هذا السياق هي أنَّ الدلالة الصوتية، ليست وحدة ذات معنى مستقلة بنفسها، فهي ليست دلالة مؤسسة للمعنى، إنَّما هي مؤكدة له ضمن عناصر السياق. ومن أمثلة الإيحاء الصوتي لفظة (( متشاكسون ) )في قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} . تدل (متشاكسون) على المخاصمة والجدل. ويبدو أنَّ
اختيارها منظور فيه إلى تشكيلها الصوتي، فقد (( جمعت في الكلمة حروف الأسنان والشفة ... التاء والشين والسين تعاقبا، تتخللها الكاف، فأعطت هذه الحروف مجتمعة نغما موسيقيا خاصا حملها أكثر من معنى الخصومة والجدل والنقاش بما اكسبها من أزيز في الأذن يبلغ السامع إلى أنَّ الخصام قد بلغ درجة الفورة والعنف من جهة، كما أحاطه بجرس مهموس خاص يؤثر في الحس والوجدان من جهة أخرى ) )؛ ليوحي بالدلالة على الحزن والأسى على هؤلاء، وهذا الإيحاء الصوتي مراد هنا، إذ (( كان البيان القرآني قد اهتم بموسيقى العبارة، وحرص اشد الحرص على تحقيقها ) ).