وذهب بعضُهم إلى أنهما مختلفان ، ثم اختلف هؤلاء أيضاً: فمنهم مَنْ قال: الرحمن أبلغُ ، ولذلك لا يُطلق على غيرِ الباري تعالى ، واختاره الزمخشري ، وجعلَه من باب غَضْبان وسَكْران للممتلئِ غَضَباً وسُكْراً ، ولذلك يقال: رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الآخرة فقط ، قال الزمخشري:"فكان القياسُ الترقِّيَ من الأدنى ، إلى الأعلى ، كما يُقال: شُجاع باسل ولا يقال: باسِلٌ شجاع. ثم أجاب بأنه أَرْدَفَ الرحمنَ الذي يتناول جلائلَ النِّعَمِ وأصولَها بالرحيمِ ليكونَ كالتتمَّةِ والرديف ليتناولَ كا دَقَّ منها ولَطَف."
ومنهم مَنْ عَكَس فجعلَ الرحيمَ أبلغَ ، ويؤيده روايةُ مَنْ قال:"رحيم الدنيا والآخرة"لأنه فِي الدنيا يَرْحم المؤمن والكافرَ ، وفي الآخرة لا يَرْحم إلا المؤمن. لكن الصحيح أنَّ الرحمنَ أبلغُ ، وأمَّا هذه الروايةُ فليس فيها دليلٌ ، بل هي دالَّةٌ على أنَّ الرحمنَ أبلغُ ، وذلك لأن القيامَة فيها الرحمةُ أكثرُ بأضعافٍ ، وأثرُها فيها أظهرُ ، على ما يُروى أنه خَبَّأ لعباده تسعاً وتسعينَ رحمةً ليوم القيامة. والظاهر أن جهةَ المبالَغَةِ فيهما مختلفةٌ ، فمبالغةُ"فَعْلان"من حيث الامتلاءُ والغَلَبَةُ ومبالغةُ"فعيل"من حيث التكرارُ والوقوع بمَحَالِّ الرحمة.
وقال أبو عبيدة:"وبناء فَعْلان ليس كبناءِ فَعِيل ، فإنَّ بناء فَعْلان لا يقع إلى على مبالغةِ الفِعْل ، نحو: رجل غَضْبانُ للمتلئ غضباً ، وفعيل يكون بمعنى الفاعلِ والمفعول ، قال:"
فأمَّا إذا عَضَّتْ بك الحربُ عَضَّةً * فإنك مَعْطوفٌ عليك رحيمُ
فالرحمنُ خاصٌّ الاسمِ عامُّ الفعل. والرحيمُ عامٌّ الاسمِ خاصُّ الفعلِ ، ولذلك لا يَتَعَدَّى فَعْلان ويتعدَّى فعيل. حكى ابنُ ابنُ سِيده:"زيدٌ حفيظٌ علمَك وعلمَ غيرك".