{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} ولو فرضنا أن الله قال: اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ثم بعد ذلك فعلوه لوجدوا في ذلك الخير عما كان في بالهم ؛ لأن الناس يجب أن تفطن إلى أن تسأل نفسها ما غاية المؤمن حين يؤمن بإله ؟ وما غاية هذا الإيمان ؟
أنت في دنياك تعيش مع أسباب الله المخلوقة لك ، وحين تنتقل إلى الله تعيش مع المسبب ، فما الذي يحزنك عندما قال لك: اقتل نفسك ؟ إنه قال لك: اقتل نفسك لماذا ؟ لأنك تنتقل للمسبب وتحيا دون تعب.
إن الحكم من الله هو ارتقاء بالإنسان ، ونحن في حياتنا الدنيا نجد من يدق الجرس فيأتيه الطعام ، ويدق الجرس فيأتيه الشاي ، ويدق الجرس فتأتيه الحلوى. لكن لا يمكن أن ترتقي الدنيا إلى أن يوجد ارتقاء بحيث إذا خطر الشيء ببال الإنسان وُجد الشيء أمامه ، فلا يدق جرساً ولا يجهد نفسه ، فبالله الذي يعيش في الأسباب ثم نريد أن ننقله إلى أن يعيش مع المسبب ، فهل هذه تحزنه ؟ لا ؛ لأنهم سيجدون: خيرا أكثر.
إنك: لو قارنت الأمر لوجدت الدنيا عمرها بالنسبة لك مظنون ، ومحدود ، ونعيمك على قدر إمكاناتك. لكنك حين تنتقل إلى لقاء الله لا تكون محدوداً ، لا بعمرك ولا بامكاناتك بل تعيش زمناً ليس له حدود ، وتنعم فيه على قدر سعة فضل الله.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} .. وهذا الخير أشد تثبيتاً لغيرهم ؛ لأن من يرونهم ينفذون حكم الله. فلا بد أنهم وثقوا أنهم سيذهبون إلى خير مما عندهم. إذن فهو يثبت من بعدهم. أو المعنى: لو أنهم فعلوا ما أمروا به من اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطاعته والانقياد له يراه ويحكم به لأنه الذي لا ينطق عن الهوى لكان ذلك خيرا لهم في دنياهم وأخراهم وأقوى وأشد تثبيتا واستقرار للإيمان في قلوبهم وأبعد عن الاضطراب فيه.
{وَإِذاً لأَتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً}