فلما حكم رسول الله للزبير بأن يسقي زرعه ثم يرسل الماء إلى جاره لم يعجب ذلك حاطب بن أبي بلتعة ، فقال: لأن كان ابن عمتك ، والعربي يقول الكلمة ويترك لنباهة السامع أن يستنبط الباقي ، وكأنه يعني: حكمت له لأنه ابن عمتك. لوى شدقية ، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظة علمه أن ابن أبي بلتعة لم يقدر عدالة الحق والحكم.. وكان كثير من الناس ممن كانوا يتصيدون للإسلام يقولون: هو قد حكم أولاً أن يروي الزبير ثم يطلق الماء لحاطب ، فلما غضب حاطب بن أبي بلتعة قال له: اسق يا زبير واستوف حقك ، وخذ من الماء ما يكفيك ثم أرسله لجارك ، فقالوا: لماذا حكم أولاً بأن يسقي ثم يرسل الماء إلى جاره ثم عدل في الحكم ؟
الناس لم تفهم أن أرض الزبير عالية بينما أرض حاطب منخفضة ، وأنتم إذا نظرتم إلى أي وادٍ ؛ تجدون الخضرة والخصب في بطن الوادي وليس في السفح ؛ لأن الماء وإن جاء من الأرض العالية سينزل إلى الأرض المنخفضة ، وإذا رويت المنخفض أولا وأعطيته لا يصيب العالي شيء .
إذن فالحكم الأول كان مبنياً على التيسير والفضل من الزبير ، والحكم الثاني جاء مبنيّاً على العدل ، ورسول الله بالحكم الثاني - وهو أن يستوفي الزبير حقه ويأخذ من الماء ما يكفيه - كأنه قال له: سنعدل معك بعدما كنا نجاملك ، فقال الحق سبحانه وتعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} .
وإذا كان هذا هو الأمر فكيف لو فعلنا بهم مثلما فعل الرسول من الأمم السابقة ؟ عندما أمروهم أن يقتلوا أنفسهم أو أن يخرجوا من ديارهم ، هذا الحكم لم ينفذه إلا عدد قليل منهم وهم الثابتون في الإيمان. وهكذا نعلم أن الحق لم يخل الأمة من ممتثلين ملتزمين يؤدون أمر الله كما يجب.