وَإِنَّمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُفْتَرِيًا , لِأَنَّهُ قَالَ زُورًا وَإِفْكًا بِجُحُودِهِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَإِقْرَارِهِ بِأَنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا مِنْ خَلْقِهِ وَصَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا , فَقَائِلُ ذَلِكَ مُفْتَرٍ , وَكَذَلِكَ كُلُّ كَاذِبٌ فَهُوَ مُفْتَرٍ فِي كَذِبِهِ مُخْتَلِقٌ لَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّدُ بِقَلْبِكَ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ فَيُبَرِّئُونَهَا مِنَ الذُّنُوبِ , وَيُطَهِّرُونَهَا
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي كَانَتِ الْيَهُودُ تُزَكِّي بِهِ أَنْفُسَهَا , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ تَزْكِيَتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ قَوْلَهُمْ: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}
عَنِ الضَّحَّاكِ , قَالَ: قَالَتْ يَهُودُ: لَيْسَتْ لَنَا ذُنُوبٌ إِلَّا كَذُنُوبِ أَوْلَادِنَا يَوْمَ يُولَدُونَ , فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ ذُنُوبٌ , فَإِنَّ لَنَا ذَنُوبًا , فَإِنَّمَا نَحْنُ مِثْلُهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} ""
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} قَالَ:"قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} وَقَالُوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} وَقَالُوا: نَحْنُ عَلَى الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} حِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ , وَأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَأَهْلُ طَاعَتِهِ"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ تَزْكِيَتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ تَقْدِيمَهُمْ أَطْفَالَهُمْ لِإِمَامَتِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ زَعْمًا مِنْهَا أَنَّهُمْ لَا ذُنُوبَ لَهُمْ
عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: {يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} قَالَ: «يَهُودُ , كَانُوا يُقَدِّمُونَ صِبْيَانَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَيَؤُمُّونَهُمْ , يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَا ذُنُوبَ لَهُمْ. فَتِلْكَ التَّزْكِيَةُ»