فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 3844

قوله (( لا تكذبوا علي ) )إلى آخره. قوله (( من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار ) ). قوله (( من تعمد علي كذبًا ) )إلى آخره. قوله (( من نقل علي ما لم أقل ) )إلى آخره، قوله (( تسموا باسمي ) )إلى آخره.

حديث علي أخرجه (م) في المقدمة من حديث عبد ربه، وحديث الزبير من أفراده، وحديث أنس أخرجه (م) عن زهير ودعوى الحميدي في (( جمعه ) )أنه من أفراد (م) غريب فإنه في (خ) كما نراه.

وحديث سلمة من ثلاثيات (خ) ، وهو من أفراده، وحديث أبي هريرة سيأتي في الأدب إن شاء الله تعالى، وأخرجه (م) أيضًا.

حديث علي فراويه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، واسمه عبد مناف ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة، كناه النبي صلى الله عليه وسلم أبا تراب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا، أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت وصلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم ونزل قبرها، وكان علي أصغر من جعفر وعقيل، وطالب كان أصغر من جعفر بعشر سنين، وجعفر أصغر من عقيل بعشر سنين، وعقيل أصغر من طالب بعشر سنين.

وروى عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم، ابن علي بن أبي طالب أول من أسلم وفضله هؤلاء على غيره.

قال ابن إسحاق أول من آمن بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الرجال علي، وهو قول ابن شهاب إلا أنه قال من الرجال بعد خديجة وهو قول الجميع في خديجة عن ابن عباس قال لعلي أربع خصال ليست لأحد غيره هو أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي كان لواءه معه في كل زحف وهو الذي صبر معه يوم فر عنه غيره، وهو الذي غسله وأدخله قبره، وقد مضى في باب أبي بكر الصديق أنه أول من أسلم.

وعن سلمان الفارسي أنه قال أول هذه الأمة ورودًا على نبيها صلى الله عليه وسلم الحوض أولها إسلامًا علي بن أبي طالب، وقد روي هذا الحديث مرفوعًا عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ورفعه أولى لأن مثله لا تدرك بالزاي.

وقال ابن عبد البر بسنده سئل محمد بن كعب القرطبي عن أول من أسلم علي أو أبو بكر قال سبحان الله علي أولها إسلامًا، وإنما اشتبه على الناس لأن عليًا أخفى إسلامه من أبي طالب، وأسلم أبو بكر فأظهر إسلامه، ولا شك عندنا أن عليًا أولهما إسلامًا.

وعن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن أنه بلغه أن علي بن أبي طالب والزبير أسلما وهما ابنا ثمان سنين كذا يقول أبو الأسود يتيم عروة، ولا أعلم أحدًا قال يقول أبي الأسود، وهذا عن الحسن قال أسلم علي وهو ابن خمس عشرة سنة.

وقال ابن إسحاق أول ذكر آمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ ابن عشر سنين. وعن ابن عمر قال أسلم علي وهو ابن ثلاث عشرة سنة.

وذكر عبد الرزاق عن معمر في (( جامعه ) )عن قتادة عن الحسن وغيره قالوا أول من أسلم بعد خديجة علي بن أبي طالب وهو ابن ثمان عشرة سنة أو ست عشرة.

وعن ابن عمر قال أسلم علي وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين.

قال أبو عمر هذا أصح ما قيل في ذلك، ولم يتخلف عن مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ قدم المدينة إلا تبوك فإنه خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة وعلى عياله بعده في غزوة تبوك وقال (( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) ).

وروى قوله (( أنت مني بمنزلة هارون من موسى ) )جماعة من الصحابة وهو من أثبت الآثار وأصحها.

قال أبو عمر آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين بمكة ثم آخى بين المهاجرين والأنصار ص 377 بالمدينة قال في كل واحدة منها لعلي (( أنت أخي في الدنيا والآخرة ) )، وآخى بينه وبين نفسه فلذلك كان يقول أبا عبد الله وأخو رسوله لا يقولها أحد غيري إلا كذب.

وروى بريدة وأبو هريرة وجابر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم كل واحد منهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( يوم غد يرحم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ) )وبعضهم لا يزيد على (( من كنت مولاه فعلي مولاه ) ).

وذكر أبو عمر له ترجمة طويلة في (( الاستيعاب ) )لخصت هذا القدر منها قال اتفق شبيب وابن ملجم على قتله فبدره شبيب فضربه فأخطأ، وضربه عبد الرحمن على رأسه، قتله عبد الرحمن بن ملجم ضربه في رأسه وذلك في صبيحة يوم الجمعة لتسع عشرة من رمضان سنة أربعين من الهجرة [1] ، واختلف هل ضربه في الصلاة أو قبل الدخول فيها، وهل استخلف من أتم بهم الصلاة أو هو أتمها، والأكثر أنه استخلف جعدة بن هبيرة فصلى لهم تلك الصلاة، فالله أعلم انتهى كلام أبي عمر.

قال ابن الجوزي في (( تلقيح فهوم أهل الأثر ) )يكنى أبا الحسن وأبا تراب وأبا قصم قاله زهير بن معاوية، وفي سنة يوم أسلم سبعة أقوال خمس عشرة سنة أو ست عشرة، قاله الحسن.

والثاني أربع عشرة قاله مغيرة.

والثالث ثمان سنين رواه أبو الأسود عن بعض أشياخه.

والرابع عشر سنين، قاله ابن إسحاق.

والخامس تسع سنين، قاله أبو نعيم الفضل بن دكين.

والسادس ثلاث عشرة حكاه الفضل بن دكين.

والسابع سبع سنين، قاله محمد بن عثمان بن أبي شيبة.

قال ابن الملقن وحديث (( أنا مدينة العلم ) )، وفي لفظ (( أنا دار الحكمة وعلى بابها ) )منكر كما قاله (ت) ، ولي الخلافة خمس سنين وقيل إلا شهرًا، بويع بعد عثمان لكونه أفضل الصحابة حينئذ، روي له خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفقا منها على عشرين، وانفرد (خ) بتسعة و (م) بخمسة عشر. روى عنه بنوه الثلاثة الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، وخلق.

ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي وهو من حمير بسيف مسموم فأوصله دماغه في ليلة الجمعة ومات بالكوفة ليلة الأحد تاسع عشر رمضان سنة أربعين، ولما ضربه ابن ملجم قال فزت ورب الكعبة، ولما فرغ من وصيته قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم لم يتكلم إلا بلا إله إلا الله حتى مات عن ثلاث وستين سنة في قول الأكثر، وكان آدم اللون، أصلع، ربعة، أبيض الرأس واللحية وربما خضب لحيته.

وأولاده الحسن، والحسين، ومحسن، وأم كلثوم من فاطمة، ومحمد بن الحنفية وغيره من غيرها. وليس في الصحابة من اسمه علي بن أبي طالب غيره، وإن كان في الرواة علي بن أبي طالب ثمانية سواه.

والراوي عنه هو ربعي بن حراش _ بكسر الحاء المهملة _ ابن جحش بن عمرو بن عبد الله بن مالك الغطفاني العبسي بالموحدة، أبو مريم الكوفي، أخو مسعود الذي تكلم بعد الموت، وأخوهما ربيع.

قال الكلبي كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى حراش بن جحش، فحرق كتابه، وليس لربعي عقب، والعقب لأخيه مسعود.

قال ابن سعد روى عن عمر وعلي، وخرشة بن الحر، وعن أبي الحسن القابسي أنه لم يصح لربعي سماع من علي غير هذا الحديث، وقدم الشام، وسمع خطبة عمر بالجابية.

قال العجلي تابعي ثقة، لم يكذب كذبة قط، وكان له ابنان يعصيان على الحجاج، فقيل للحجاج إنه لم يكذب كذبة قط، فلو أرسلت إليه فسألته عنهما، فأرسل إليه. فقال أين ابناك؟ فقال هما في البيت. فقال قد عفونا عنهما لصدقك.

وقيل إنه آلى أن لا يفتر ضاحكًا حتى يعلم أين مصيره، فما ضحك إلا بعد موته، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل توفي سنة أربع ومائة.

والراوي عنه هو منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة _ بضم الراء _ أبو عتاب، ص 378 وقيل ابن المعتمر بن عتاب بن عبد الله، ويقال ابن المعتمر بن عباد بن فرقد الكوفي السلمي، المجمع على جلالته وتوثيقه وفضله وصلاحه وعبادته.

روى عن أبي وائل وغيره، وعنه السفيانان وخلق. قال ما كتبت حديثًا قط، ومناقبه جمة، أكره على قضاء الكوفة، وكان فيه تشيع، ويقال إنه صام أربعين سنة وقام ليلها وعمش من البكاء، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

وحديث الزبير راويه حواري النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمته الزبير بن العوام بن خويلد، وهو أول من سل سيفه في سبيل الله، وأمه صفية بنت عبد المطلب، هاجرت إلى المدينة، وهو أحد العشرة، وأحد الستة أهل الشورى.

آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن مسعود من المهاجرين بمكة، وبينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش من الأنصار بالمدينة، شهد بدرًا والمشاهد كلها واليرموك وفتح مصر، وهاجر الهجرتين، وأسلم وهو ابن ستة عشرة سنة، وكان أسمر، وقيل أبيض، ربعة معتدل اللحم أشعر الكتف طويلًا تخط رجلاه الأرض إذا ركب الدابة.

روى عنه ابناه عبد الله، وعروة، ونافع بن جبير، استشهد يوم الجمل في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وكان ترك القتال وانصرف بوادي السباع بوادي البصرة، فقتله عمرو بن جرموز بغيًا وظلمًا، وقبره هناك، وسنه بضع وستون سنة، وقيل خمس وسبعون، وكان له ألف مملوك يؤدون الخراج إليه، فيتصدق به في مجلسه، ما يقوم منه بدرهم، روي له ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد (خ) بسبعة.

وراويه عنه ولده عبد الله أبو بكر [2] وأبو خبيب أمير المؤمنين، روى عنه أخوه عروة، وابنه عامرن وكان نهاية في الشجاعة، غاية في العبادة، استخلف سنة أربع وستين، ومات شهيدًا في حصر الحجاج له بالبيت العتيق سنة ثلاث وسبعين.

وراويه عنه ولده عامر بن عبد الله أبو الحارث المدني أخو عباد وحمزة وثابت وخبيب وموسى وعمر كان عابدًا فاضلًا ثقة، مات قبل هشام أو بعده بقليل، ومات هشام سنة أربع وعشرين ومائة.

والراوي عنه جامع بن شداد المحاربي أبو صخرة، وقيل أبو صخر الكوفي الثقة، روى عنه شعبة وغيره، وهو قليل الحديث، له نحو عشرين حديثًا، مات سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل ثمان وعشرين.

وحديث أنس فيه عبد العزيز بن صهيب البناني مولاهم الأعمى التابعي الحجة، عنه شعبة وغيره، مات سنة ثلاثين ومائة.

وحديث سلمة راويه سلمة بن عمرو بن الأكوع سنان الأسلمي، أحد من بايع تحت الشجرة. عنه ابناه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وكان راميًا محسنًا يسبق الفرس، مات سنة أربع وسبعين عن ثمانين سنة، أحاديثه سبعة وسبعون حديثًا، اتفقا منها على ستة عشر، وانفرد (خ) بخمسة، و (م) بتسعة، كلمه الذئب، وقيل إنه شهد مؤتة، ولما قتل عثمان خرج إلى الربذة، فتزوج هناك وأقام بها إلى قبل موته بليال، فنزل المدينة ومات بها.

والراوي عنه يزيد بن أبي عبيد مولاه، كنيته أبو خالد، روى عنه مكي وغيره، ومات سنة ست أو سبع أو تسع وأربعين ومائة.

وحديث أبي هريرة فيه موسى وهو ابن إسماعيل التبوذكي، سلف، وأبو عوانة، واسمه الوضاح. وقد سلف. وأبو حصين _ بفتح الحاء _ كما سلف، واسمه عثمان بن عاصم بن حصين الكوفي، سمع ابن عباس وأبا صالح وغيرهما، وعنه شعبة، والسفيانان، وخلق، وكان ثقة ثبتًا صاحب سنة، من حفاظ الكوفة، مات سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائة.

وهذا الحديث حديث جليل معناه متواتر مقطوع به لا يوجد له مشابه في طرقه وكثرتها. قال الحافظ ص 379 أبو بكر البزار رواه مرفوعًا نحو من أربعين صحابيًا.

وقال ابن الصلاح إنه حديث بلغ عدد التواتر، رواه الجم الكبير من الصحابة، قيل إنهم يبلغون ثمانين نفسًا، ولم يزل في اشتهار وكثرة طرق في هذه الأزمان.

وجمع الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي طرقه في جزء ضخم بلغ رواته فوق سبعين صحابيًا، وذكر في جملة من رواه العشرة إلا عبد الرحمن بن عوف، وبلغ بهم الطبراني وابن منده سبعة وثمانين، منهم العشرة، ويجتمع من كلام ابن منده في (( مستخرجه ) )وكلام ابن خليل نحو المائة.

وقال بعضهم رواه مائتان من الصحابة، ولم يزل في ازدياد. قال بعضهم ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة سواه، وليس كما قال، فقد اجتمع ذلك في رفع اليدين والمسح على الخفين.

قوله (( فليتبوأ ) )فليتخذ، قال الخطابي تبوأ بالمكان إذا أخذه موضعًا لمقامه، وأصله من مباءة الإبل، وهي أعطانها، والمعنى بالحديث لينزل منزله منها، وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبر؛ أي إن الله يبوؤه مقعده من النار، أو أنه استوجب ذلك واستحقه فليوطن نفسه عليه، ويوضحه ما جاء في (م) [3] .

وفي حديث علي السالف (( فليلج النار ) )وقيل معناه التهديد والوعيد.

وقال الطبري هو على معنى الدعاء منه عليه السلام أي بوأه الله ذلك، والمعنى أن هذا جزاؤه وقد يعفي عنه، وكل ما جاء من الوعيد بالنار لأهل الكبائر غير الكفر ينزل على هذا، ومنه (( لا يدخل الجنة نمام ) )أي جزاؤه أن لا يدخل.

والكذب عند الأشاعرة الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، وإن كان سهوًا، واشترطت المعتزلة فيه العمدية، ودليل الخطاب في هذه الآية عليهم؛ لأنه يدل على أن من لم يتعمد يقع عليه اسم الكذب، وقيد بالعمد في رواية لبيان أنه يكون سهوًا وعمدًا، والإجماع منعقد على أن الناسي لا إثم عليه، والمطلق محمول على المقيد في الإثم.

والأحاديث دالة على تعظيم حرمة الكذب عليه صلى الله عليه وسلم، وأنه كبيرة؛ والمشهور أن فاعله لا يكفر إلا أن يستحله خلافًا للجويني حيث قال يكفر ويراق دمه، وضعفه ولده الإمام، وجعله من هفوات والده. نعم من كذب في حديث واحد عمدًا فسق وردت رواياته كلها وإن تاب، وبه قال أحمد بن حنبل وغيره، وهو نظير ما قاله مالك في شاهد الزور إذا تاب، أنه لا تقبل شهادته.

وما قاله الشافعي وأبو حنيفة فيمن ردت شهادته بالفسق أو العداوة، ثم تاب وحسنت حاله، لا يقبل منه إعادتها لما يلحقه من التهمة في تصديق نفسه، وما قاله أبو حنيفة من أن قاذف المحصن إذا تاب لا تقبل شهادته أبدًا، ولأنها مفسدة عظيمة؛ لأنه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة، فجعل تغليظًا وزجرًا من الكذب عليه بخلاف غيره. قال ابن المبارك من عقوبة الكذاب أنه يرد عليه صدقه.

وخالف النووي فقال المختار القطع بصحة توبته من ذلك وقبول روايته بعد صحة التوبة بشروطها، وقد أجمعوا على قبول رواية من كان كافرًا ثم أسلم، وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الرواية والشهادة.

ولا فرق في تحريم الكذب عليه صلى الله عليه وسلم بين ما كان في الأحكام وغيره، كالترغيب والترهيب، فكله حرام من أكبر الكبائر بإجماع من يعتد به، ولا عبرة بالكرامية في تجويزهم الوضع في الترغيب والترهيب، وتشبثهم برواية (( من كذب علي متعمدًا ليضل به ) )بهذه الزيادة، ولأنه كذب له لا عليه، وهو من الأعاجيب، فهذه زيادة باطلة باتفاق الحفاظ، أو أنها للتكثير كقوله تعالى ص 380 {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس} [الأنعام144] ، أو أن اللام في (( ليضل ) )ليست للتعليل بل للصيرورة والعاقبة، والمعنى على هذا يصير كذبه إلى الإضلال، والكذب له بما لم يخبر به كذب عليه، ثم الواضع على أقسام بينت في موضعها من علوم الحديث.

ومن روى حديثًا علم أو ظن أنه موضوع فهو داخل في هذا الوعيد، إذا لم يبين حال رواته وضعفهم، ويدل عليه أيضًا قوله عليه السلام (( من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ) )ومن روى حديثًا ضعيفًا، لا يذكره بصيغة الجزم.

قال أبو العباس القرطبي استجاز بعض فقهاء العراق نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبة قولية وحكاية نقلية، فنقول في ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا.

قال ولذلك ترى كتبهم مشحونة بأحاديث موضوعة تشبه متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين، أنهم لا يقيمون لها سندًا صحيحًا، فهؤلاء شملهم النهي والوعيد [4] .

وذهب قوم إلى أن هذا الحديث ورد في رجل بعينه، كذب على النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وادعى لقوم أنه رسوله إليهم، فحكم في دمائهم وأموالهم، فأمر عليه السلام بقتله إن وجد حيًا، وبإحراقه إن وجد ميتًا.

والصواب عمومه في كل خبر تعمد به الكذب عليه في الدين والدنيا، ومما يؤيد عمومه استدلال عمر والزبير بهذا الوعيد لتوقفهم عن التحديث، ولو كان في رجل بعينه أو مقصورًا على سبب لما حذروا. وذكر ابن الجوزي سبب وروده من طرق في مقدمة كتابه (( الموضوعات ) )، وفيما يظن دخوله في النهي اللحن وشبهه، ولهذا قال العلماء ينبغي للراوي أن يعرف من النحو واللغة والأسماء ما يسلم من قول ما لم يقل.

قال الأصمعي أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في قوله عليه السلام (( من كذب علي ) )لأنه عليه السلام لم يكن يلحن فمهما لحن الراوي فقد كذب عليه.

قال أحمد يجب إعراب اللحن؛ لأنهم كانوا لا يلحنون. وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال كان أبي إذا مر به لحن فاحش غيره، وإن كان سهلًا تركه، وقد توقى جماعة من الرواية خوف دخول الوهم عليهم ولقيام غيرهم به منهم عمر وعلي والزبير.

وحديث أبي هريرة (( تسموا باسمي ... ) )إلى آخره، اختلف في هذا النهي، هل هو عام أو خاص أو منسوخ؟ على أقوال.

ومذهب الشافعي وأهل الظاهر المنع مطلقًا، ومنع قوم تسمية الولد بالقاسم؛ كيلا يكون سببًا للتكنية، وقيل يجوز لمن ليس اسمه محمدًا دون غيره، وفيه حديث صحيح، ووقع في بعض نسخ (( الروضة ) )التعبير عنه بعكسه، وهو أنه يجوز لمن اسمه محمد دون غيره، وهو سهو فاحذره، فإن أحدًا لم يقل به.

ومذهب مالك أنه يجوز التكني به مطلقًا، وجعل النهي مختصا بحياته؛ لأن الحديث ورد على سبب، فإن اليهود تكنوا به، وكانوا ينادون يا أبا القاسم، فيلتفت صلى الله عليه وسلم إليهم يقولون لم نعنك؛ إظهارًا للإيذاء، وقد زال ذلك المعنى. ص 381

وذهب قوم إلى أن النهي منسوخ بالإباحة في حديث علي وطلحة، ونقل عن الجمهور وسمى جماعة أبناءهم محمدًا وكنوهم أبا القاسم.

وفي (( سنن أبي داود ) )من حديث محمد بن الحنفية قال قال علي يا رسول الله، إن ولد لي من بعدك ولد أسميه باسمك ونكنيه بكنيتك؟ قال (( نعم ) ).

قال أحمد بن عبد الله ثلاثة تكنوا بأبي القاسم، رخص لهم محمد بن الحنفية، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، وسيأتي في كتاب الأدب ذلك.

قوله (( من رآني في المنام ) )إلى آخره، وفي موضع آخر (( من رآني فقد رأى الحق ) ).

وجاء أيضًا (( فسيراني في اليقظة ) )وجاء أيضًا (( فكأنما رآني في اليقظة ) ). وجاء أيضًا (( فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي ) )وهو تفسير الأولى، واختلف في تأويله، فقال أبو بكر الباقلاني إنها صحيحة وليست بأضغاث أحلام.

وقال غيره معناه رآه حقيقة، وفيه قول ثالث إنه إن رآه على صفته فهو حقيقة، وإن رآه على غيرها فهو رؤيا تأويل لا حقيقة، قاله ابن العربي وضعفه النووي وصوب الثاني.

ومعنى (( فسيراني ) )أي يرى تفسيره؛ لأنه حق، أو يراه في القيامة، أو المراد أهل عصره ممن لم يهاجر فتكون الرؤية في المنام علمًا له على رؤيته في اليقظة أقوال.

وخص عليه السلام بذلك لئلا يكذب على لسانه في النوم، كما منعه أن يتصور في صورته في اليقظة؛ إكرامًا له.

فائدة اختلف في حقيقة الرؤيا هل هي اعتقادات أو إدراكات يخلقها الله تعالى في قلب العبد؟ على قولين وبالأول قال القاضي أبو بكر، وبالثاني قال الشيخ أبو إسحاق، ومنشأ الخلاف كما قال ابن العربي إن الشخص قد يرى نفسه بهيمة أو ملكًا أو طيرًا، وهذا ليس إدراكًا، لأنه ليس حقيقة، فصار القاضي إلى أنها اعتقادات، لأن الاعتقاد قد يأتي على خلاف المعتقد. قال وذهل القاضي عن أن هذا المرئي مثل، والإدراك إنما يتعلق بالمثل وسيأتي إيضاحه.

قال والدي رحمه الله تعالى

علي بن أبي طالب منامته مشهورة معروفة وذكر نحو ما سبق. النووي قال له بعض حكماء العرب لما دخل الكوفة لقد رثت الخلافة وما رأيتك وهي كانت أحوج إليك منك إليها، وأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيقتل ونقل عنه آثار كثيرة تدل على أنه علم السنة والشهر والليلة التي يقتل فيها، وأنه لما خرج لصلاة الصبح صاحب الأوز في وجهه فطردت عنه فقال دعوهن فإنهن نوائح.

قال محمد بن سعد قالوا يعني أهل السير ابتدت ثلاثة من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم المرادي وهو من حمير وعداده في بني مراد وهو حليف بني جبلة من كندة، والبرك بن عبد الله التميمي وعمرو بن بكير التميمي فاجتمعوا بمكة وتعاقدوا ليقتلن علي بن أبي طالب ومعاوية وعمرو بن العاص، فقال ابن ملجم أنا لعلي وقال البرك أنا لمعاوية، وقال الآخر أنا لعمرو وتعاهدوا أن لا يرجع أحد عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه وتواعدوا ليلة عشرة من رمضان، فتوجه كل واحد إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي يريد قتله، فضرب ابن ملجم عليًا رضي الله عنه بسيف مسموم فأوصله دماغه في الليلة المذكورة وهي ليلة الجمعة، ثم توفي علي رضي الله عنه في الكوفة ليلة الأحد التاسع عشر من شهر رمضان سنة أربعين، وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة.

وروينا أنه لما ضربه ابن ملجم قال فزت ورب الكعبة قالوا فلما فرغ علي رضي الله عنه من ص 382 وصيته قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم لم يتكلم إلا لا إله إلا الله حتى توفي ودفن في السحر، وصلى عليه ابنه الحسن، وقيل كان عنده فضل من حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى أن يحنط به، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة على الأصح، وقيل ابن تسع وستين، وقيل خمس وستين وقيل ثمان وخمسين، وقيل سبعة وخمسين، وكان آدم اللون أصلع ربعة أبيض الرأس واللحية، وربما خضبت لحيته، وكانت كثة طويلة حسن الوجه ضحوك السن، ورثاه الناس ودفن بالكوفة. قال ابن قتيبة وله من الولد نحو سبعة وعشرين بين ذكر وأنثى.

قوله (( لا تكذبوا علي ) )فإن قلت هل فرق بين كذب عليه وكذب له أم الحكم فيهما سواء. قلت معنى كذب عليه نسبة الكلام إليه كاذبًا سواء كان عليه أم له.

فإن قلت الكذب على الله داخل تحت الكذب على الرسول أم لا؟. قلت نعم إذ المراد من الكذب عليه الكذب في أحكام الدين.

فإن قلت الكذب من حيث هو معصية فكل كاذب عاص، وكل عاص يلج النار لقوله تعالى {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} [الجن23] فما فائدة لفظ علي، فإن الحكم عام في كل من كذب على أحد. قلت لا شك أن الكذب على الرسول أشد من الكذب على غيره لكونه مقتضيًا شرعًا عامًا باقيًا إلى يوم القيامة فخصص بالذكر لذلك أو الكذب عليه كبيرة وعلى غيره صغيرة، والصغائر مكفرة عند الاجتناب عن الكبائر، أو المراد من قوله ومن يعص الله الكبيرة.

فإن قلت الشرط سبب للجزاء فكيف يتصور سببية الكذب للأمر بالولوج، نعم إنه سبب للولوج نفسه قلت هو سبب للازمه لأن لازم الأمر الإلزام، وكون الكذب سببًا لإلزام الولوج معنى صحيح.

فإن قلت ما معنى الكذب. قلت فيه ثلاثة مذاهب مذهب الحق أن الكذب عدم مطابقة الواقع والصدق مطابقته، والثاني أنهما مطابقة الاعتقاد ولا مطابقته، والثالث مطابقة الواقع مع اعتقاد المطابقة ولا مطابقته مع اعتقاد اللامطابقة وعلى الأخير يكون بينهما الواسطة.

قوله (( لا أسمعك ) )وفي بعضها (( إني لا أسمعك تحدث ) )، ومعناه لا أسمع تحديثك وتحدث قد حذف مفاعيله الثلاث.

قوله (( أما ) )مخففة الميم من حروف التنبيه (( وإني ) )بكسر الهمزة (( ولم أفارقه ) )أي لم أفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد به عدم المفارقة العرفية؛ أي ما فارقته سفرًا وحضرًا على عادة من يلازم الملوك. فإن قلت قد هاجر إلى الحبشة. قلت ذلك قبل ظهور شوكة الإسلام؛ أي ما فارقت عند ظهوره أو أي في أكثر الأحوال.

قوله (( ولكني ) )وفي بعضها (( ولكنني ) )ويجوز في إن وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدم الإلحاق. فإن قلت شرط لكن أن تتوسط بين كلامين متغايرين فما هما هنا. قلت لازم عدم المفارقة السماع ولازم السماع التحديث عادة ولازم الحديث الذي ذكره في الجواب عدم التحديث، فبين اللازمين منافاة فضلًا عن المغايرة.

فإن قلت المناسب لسمعت قال ليوافقا مضيًا فما الفائدة في العدول إلى المضارع. قلت استحضاره صورة القول للحاضرين والحكاية عنها كأنه يريهم أنه قائل به الآن.

قوله (( فليتبوأ ) )بكسر اللام هو الأصل، وبالسكون هو المشهور والتبوء اتخاذ المباءة أي المنزل. الجوهري تبوأت منزلًا أي نزلته. الخطابي ظاهره أمر معناه خبر يريد أن الله يبوئه ص 383 مقعده من النار. قال ولم يخف الزبير على نفسه من الحديث أن يكذب فيه عمدًا، ولكن خاف أن يزل أو يخطئ فيكون ما يجري من الغلط فيه كذبًا إذا لم يتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاله، وفيه من العلم أنه لا يجوز الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشك، وغالب الظن حتى يتيقن سماعه ويعلم صحته.

قال ابن بطال قيل التبوء إن كان إلى الكاذب فلا شك أنه لا يبوئ نفسه وله إلى تركه سبيل وإن كان إلى الله فأمر العبد بما لا سبيل إليه غير جائز. فأجيب أنه بمعنى الدعاء؛ أي بوأه الله.

أقول معناه أن الذي يكذب فكأنه قدر على نفسه دخول النار فمعناه؛ أي يتهيأ لدخول النار، وهذا إليه ولو أراد لم يكذب فكان ينجي نفسه فكأنه يكذبه أدخل نفسه من حيث ترتب الجزاء على المعصية. الطيبي الأمر بالتنبؤ تهكم وتغليظ إذ لو قيل كان مقعده في النار لم يكن كذلك، وأيضًا فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه؛ أي كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد في جزائه التبوء.

وأقول يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته بأن يكون معناه من كذب فيؤمن نفسه بالتبوء ويلزم عليه فلقوله فليتبوأ توجيهات أربعة. فإن قلت من قصد الكذب على الرسول ولم يكن في الواقع كذبًا هل يأثم. قلت يأثم لكن لا بسبب الكذب بل بسبب قصد الكذب؛ لأن قصد المعصية معصية إذا تجاوز عن درجة الوسوسة فلا يدخل تحت الحديث.

قوله (( ثنا ) )المراد به جنس الحديث ولهذا جاز وقوع الكثير صفة له لا حديث واحد ولا يلزم إجماع الوحدة والكثرة فيه، والحديث إذا أطلق في عرف المتشرعة يراد به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفظ منع متعد إلى مفعولين وأن المخفف مع معمولها هو المفعول الأول، والمشددة مع الاسم والخبر في محل الرفع بأنه فاعل؛ أي ليمنعني قول النبي كثرة الحديث.

فإن قلت الحديث لا يمنع كثرة الحديث الصادق بل يجب التكثير والتبليغ إذا كان صادقًا فكيف جعله مانعًا. قلت كثرة الحديث وإن كان صادقًا ينجر إلى الكذب غالبًا عادة ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه فالتقليل للاحتراز عن الانجرار إليه، ولو كان وقوعه على سبيل الندرة.

قوله (( كذبًا ) )عام في جميع أنواع الكذب؛ لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي في إفادة العموم. قوله (( ما لم أقل ) )أي لم أقله والعائد المفعول يجوز حذفه. فإن قلت هذا مختص بالقول أو يتناول نسبة فعل إليه لم يفعله. قلت اللفظ خاص بالقول، لكن لا شك أن الفعل في معناه لاشتراكهما في علة الامتناع وهو الجسارة على الشريعة ومشرعها صلى الله عليه وسلم، وكلمة من في (( من النار ) )يحتمل أن تكون بيانيًا أو ابتدائيًا.

فإن قلت اختلاف الروايات في الألفاظ مع الاشتراك في المعاني نحو من تعمد علي كذبًا، ومن يقل علي ما لم أقل، ومن كذب علي متعمدًا هل يقال إنه متواتر. قلت مثله يسمى بالمتواتر من جهة المعنى؛ أي القدر المشترك الحاصل من جميع الألفاظ متواتر، وهذا أول ثلاثيات (خ) .

قال محيي السنة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم أنواع الكذب بعد كذب الكافر على الله، وكره قوم من الصحابة والتابعين إكثار الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفًا من الزيادة والنقصان والغلط فيه حتى إن من التابعين من كان يهاب رفع المرفوع فيوقفه على الصحابي ويقول الكذب علينا أهون من الكذب على رسول الله، وقال معنى المتبوئ المنزل الملزوم، ولقد دار بين الزهري وربيعة معاتبة فقال ربيعة للزهري إنما أنا أخبر الناس برأي إن شاءوا أخذوا وإن شاءوا تركوا، وأنت إنما تخبرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر ما تخبرهم به انتهى كلام محيي السنة.

أقول لي إشكالان في كلام محيي السنة رضي الله عنه

أحدهما قوله الكذب على النبي أنواع الكذب بعد كذب الكافر على الله وجه الإشكال أنه كذب الكافر على الله مع كفره لا عظمه له بالنسبة إلى كفره بالله بخلاف الكذب على النبي، فإنه يصدر من مؤمن والكذب على النبي [5] عمدًا لا شك أنه أعظم من كذب الكافر لأنه لا مقصد أعظم من الكفر، والكذب على الله بالنسبة إلى الكفر بالله شيء ليس يعظم الكفر، ص 384 فالذي يظهر أن يكون الكذب على النبي مع الإيمان أعظم من كذب الكافر على الله مع كفره فتأمله.

الثاني قوله إن من التابعين من كان يهاب رفع المرفوع فتوجه على الصحابي وجه الإشكال أنه لا يخلو إما أن يكون التابعي جازمًا بصحة الحديث الذي يرويه أو ظانًا أو شاكًا، فإن كان ظانًا أو شاكًا فالأول عدم رفعه لا كلام فيه، وأما إن كان جازمًا بصحة الحديث مخففًا لذلك فكيف يجوز له أن يسنده إلى عرفائه، وهو سيد البشر فيكون هذا أيضًا داخلًا في باب الكذب مقاربًا مرتبة الكذب عليه فإنه إذا قال صلى الله عليه وسلم قولًا وجاء رجل أسنده إلى صحابي فيكون فيه كذبان كذب على الصحابي فإنه لم يقله من تلقاء نفسه، بل نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى النبي حيث علم وتحقق أنه حديثه وعزاه إلى غيره فمضمونه أن النبي لم يقل ذلك، بل قاله صحابي هذا مشكل فتأمله.

قوله (( تسموا ) )بصيغة الأمر من باب التفعل وهو إما حقيقة في معناه أو هو بمعنى التسمية (( ولا تكنوا ) )من الكناية ومن التفعل ومن الافتعال على حسب اختلاف النسخ، والاسم نحو زيد والكنية أبو زيد، واعلم أن العلم إما أن يكون شعرًا بمدح أوذم وهو اللقب، وإما أن لا يكون وإما أن يصدر بنحو الأب والأم وهو الكنية أولًا وهو الاسم فاسم النبي صلى الله عليه وسلم محمد وكنيته أبو القاسم، ولقبه رسول الله وسيد الأولين مثلًا.

الجوهري الكناية أن يتكلم بشيء ويريد به غيره، يقال كنيت وكنوت بكذا وعن كذا أو الكنية بالضم والكسر واكتنى فلان بكذا وكنيته أبا زيد وأبي زيد.

أقول قال ابن العربي في (( العارضة ) )قد روى أبو أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من عيني جهنم ) )قلنا ولها عينان يا رسول الله؟ قال (( أما سمعتم قول الله تعالى {إذا رأتهم من مكان بعيد} ) )قال قلت يا رسول الله من كذب علي ونحن نسمع منك الحديث فيزيد وينقص ويقدم ويؤخر قال (( لم أعن ذلك ولكن قلت من كذب علي يريد عيبي وشين الإسلام ) ).

قال ولذلك كان الزبير لا يحدث كما يحدث أصحابه ويقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار ) )مطلقًا بإسقاط التعمد.

قوله (( فقد رآني ) )فإن قلت الشرط ينبغي أن يكون غير الجزاء سببًا له متقدمًا عليه، وههنا ليس كذلك, قلت ليس هو الجزاء حقيقة بل لازمه نحو فليستبشر فإنه قد رآني وهي رؤيا ليس بعدها، وإن الشرط والجزاء إذا اتحدا صورة دل على الكمال والغاية نحو من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ونحو ذلك.

فإن قلت ما معنى الرؤية هل المراد منه حقيقة الرؤية أم غيرها, قلت قال القاضي الباقلاني معناه رؤياه صحيحة ليست بأضغاث أحلام، وقد يراه الرائي على خلاف صفته المعروفة كمن يراه أبيض اللحية وقد يراه شخصان في زمان واحد أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، ويراه كل منهما ومكانه.

وقال آخرون بل الحديث على ظاهره وليس المانع أن يمنعه، فإن العقل لا يحيله حتى يضطر إلى التأويل وأما قوله فإنه قد يرى على خلاف صفته أو في مكانين فإنه تغيير في صفاته لا في ذاته فتكون ذاته مرئية وصفاته متخيلة، والرؤية أمر يخلقها الله تعالى في الحي لا يشترط مواجهة ولا تحديق الأبصار ولا كون المرئي ظاهرًا بل الشرط كونه موجودًا فقط حتى جاز رؤية أعمى الصين بقة أندلس، ولم يقم دليل على فناء جسمه صلى الله عليه وسلم بل جاء في الحديث ما يقتضي بقاءه.

قال الغزالي ليس معناه أنه رأى جسمي وبدني بل رأى مثالًا صار ذلك المثال آلة ينادى بها المعنى الذي في نفسي إليه بل البدل في اليقظة أيضًا ليس إلا في النفس فالحق أن ما يراه مثال حقيقة روحه المقدسة التي هي محل النبوة، فما رآه من الشكل ليس هو روح النبي صلى الله عليه وسلم ولا شخصه بل هو مثال ص 385 على التحقيق.

أقول قلت ثلاثة توجيهات وخير الأمور أوسطها.

قوله (( الشيطان ) )إما مشتق من شاط؛ أي هلك فهو فعلان وإما مشتق من شطن؛ أي بعد فهو فيعال، والمراد منه إما إبليس شخصه فاللام للعهد وإما نوعه فاللام للجنس.

قوله (( لا يتمثل ) )أي لا يتصور بصورتي.

أقول فإن قلت الشيطان هذا الجنس قد أقدره الله تعالى على التشكل بالأشكال المختلفة والأنبياء والملائكة من الأشكال فكيف لا يتشكل بهم، قلت معناه أنه يتشكل بالأشكال عدا الأنبياء والملائكة إكرامًا لهم وصيانة لأممهم عن الضلال بالشياطين.

وقال والدي رحمه الله في (( شرح الجواهر في أصول الكلام ) )قال أهل الملة الجن والشيطان أجسام لطيفة تتشكل بأي شكل شاءت، والفلاسفة منعوه لأنها إما أن تكون كثيفة فيجب أن ترى، وإلا جاز أن تكون بحضرتنا جبال وبلاد لا نراها، وإما أن تكون لطيفة فيجب أن يسهل انقسامه ويرى جوابه حتى تتلاشى بأدنى قوة كالريح العاصف.

وأجيب بأن لطفها بمعنى الشفافية فلا يجب الرؤية ولا يتهيء له الانقسام ولا رقة القوام كالسماء، وقال قوم هي النفوس الأرضية كما أن للأملاك هوسًا وهي مختلفة فمنها الملائكة ومنها الجن ومنها الشيطان وغير ذلك جنودًا لربك لا يعلمها إلا هو.

وقال بعض هي النفوس الناطقة المفارقة عن الأبدان فالخبر يتعلق بالخيرة ويعاونها عليه وهي الجن والشر بالشريرة معاونًا عليه وهي الشياطين والله أعلم بحقائق الأشياء.

قال القاضي خص الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بأن رؤية الناس إياه صحيحة وكلها صدق، ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم كما صرف الله تعالى العادة للأنبياء بالمعجزة، وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اللفظ. قال محيي السنة رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام حق ولا يتمثل الشيطان به، وكذلك جميع الأنبياء والملائكة لا يتمثل بهم انتهى.

فإن قلت إذا قلنا إنه رآه حقيقة فمن رآه في المنام هل يطلق عليه الصحابي أم لا, قلت لا إذ لا يصدق عليه حد الصحابي وهو مسلم رأى النبي صلى الله عليه وسلم، إذ المراد منه الرؤية المعهودة الجارية على العادة؛ أو الرؤية في حياته في الدنيا؛ لأن النبي هو المخبر عن الله تعالى، وهو ما كان مخبرًا للناس عنه إلا في الدنيا لا في القبر، ولهذا يقال مدة نبوته ثلاث وعشرون سنة.

فإن قلت الحديث المسموع عنه في المنام هل هو حجة يستدل ويحتج بها, قلت لا إذ يشترط في الاستدلال به أن يكون الراوي ضابطًا عند السماع والنوم ليس حال الضبط حتى جيء أنا لو ألزمنا إطلاق لفظ الصحابي عليه لجاز.

[1] في هامش المخطو قيل إن الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب قتل فيها يوشع بن نون في موسى عليه السلام، وفيها رفع عيسى عليه السلام وكان ذلك في رمضان من الطبراني وقيل في تلك الليلة نزل القرآن.

[2] في هامش المخطوط أقول ليس في الصحابة من كنيته أبو بكر عدا الصديق وهو.

[3] في هامش المخطوط أقول قال ابن الجوزي في (( الموضوعات ) )وقد روى حديث من كذب علي أحد وستون نفسًا من الصحابة، وذكر أسمائهم فلينظرن وذكر العشرة عدا ابن عوف، وذكر من طريق صهيب (( من كذب علي كلف يوم القيامة أن يعقد شعيرة ) )، وفي رواية عنه (( كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن يقدر على ذلك ) )، وفي رواية عقبة بن عامر (( فليتبوأ بيتًا من جهنم ) ).

[4] في هامش المخطوط قال ابن الجوزي في (( الموضوعات ) )بسنده عن ابن بريدة عن أبيه قال كان حي من بني ليث من المدينة على ميلين، وكان رجل قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوجوه فأتاهم وعليه حلة، فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم، ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يحبها فأرسل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كذب عدو الله ثم أرسل وكان رجل قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوجوه فأتاهم وعليه حلة، فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم، ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يحبها فأرسل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كذب عدو الله ثم أرسل وكان رجل قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوجوه فأتاهم وعليه حلة، فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم، ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يحبها فأرسل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كذب عدو الله ثم أرسل رجلا، فقال إن وجدته حيا، وما أراك تجده حيا فاضرب عنقه، وإن وجدنه ميتًا فأحرقه بالنار قال فجاء فوجد قد لدغته أفعى فمات فحرقه بالنار.

[5] في هامش المخطوط ومثله قضية سب النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا تقبل توبة من سب النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف من سب الله فإنه تقبل توبته. قال القاضي في (( الشفا ) )لأن الله منزه عن جميع النقائص والأنبياء حيث أنهم من نوع البشر ربما يتوهم واهم ناقص العقل أنه ربما يتصور منه ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت