فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 3844

24 -باب علامة المنافق

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( آية المنافق ثلاث ) )الحديثان

حديث أبي هريرة أخرجه (خ) في الوصايا، وفي الشهادات، وفي الأدب. وأخرجه (م) هنا. وحديث ابن عمرو أخرجه (خ) في الجزية وأخرجه (م) هنا.

مسروق هو أبو عائشة بن الأجدع بالجيم ثم مهملة بن مالك الهمداني الكوفي التابعي الكبير، صلى خلف الصديق، وسمع عمر وعائشة وغيرهما.

أقول قال الذهبي في (( الكاشف ) )عن أبي بكر وعمر ومعاذ وعنه إبراهيم وأبو إسحاق وغيرهما وقال الشعبي ما علمت أطلب للعلم من مسروق كان أعلم بالفتيا من شريح، وقال أبو إسحاق حج مسروق فما نام إلا ساجدًا، وقالت امرأته كان يصلي حتى تورم قدماه توفي سنة 63 انتهى.

قال له عمر ما اسمك؟ قال مسروق بن الأجدع فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( الأجدع شيطان أنت مسروق بن عبد الرحمن ) ).

والراوي عنه هو عبد الله بن مرة الهمداني الكوفي التابعي الخارفي بالخاء المعجمة والفاء، نسبةً إلى خارف، وهو مالك بن عبد الله، روى عن ابن عمر وغيره، وعنه الأعمش ومنصور. مات سنة مائة.

والراوي عنه سفيان بن سعيد بن حبيب بن رافع الثوري الكوفي. إمام أهل الكوفة بل إمام أهل العراق، وهو من تابعي التابعين، سمع خلقًا من التابعين منهم الشعبي، والأعمش، وعنه محمد ص 188 بن عجلان وهو تابعي ومن شيوخه. ومناقبه جمة.

قال أبو عاصم سفيان أمير المؤمنين في الحديث. قال ابن المبارك كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبته عن أفضل منه، وعنه قال ما استودعت نفسي شيئًا فخانني. ولد سنة سبع وتسعين، ومات سنة ستين ومائة، وقيل إحدى بالبصرة.

قال ابن معين كل من خالف الثوري فالقول قول الثوري، ولم يكن أحد أعلم بحديث ابن إسحاق منه، وكان يدلس، وعن عبد الرزاق قال بعث أبو جعفر الخشابين قدامه حين خرج إلى مكة، وقال إذا رأيتم سفيان فاصلبوه فوصلوا مكة، ونصبوا الخشب، ونودي سفيان فإذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجله في حجر بن عيينة، فقالوا يا با عبد الله لا تشمت بنا الأعداء، فأخذ بأستار الكعبة وقال برئت منه إن دخلها، فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة.

وهو أحد أصحاب المذاهب المتبوعة.

والراوي عنه قبيصة بن عقبة بن محمد السوائي الكوفي، أخو سفيان بن عقبة، روى عن الثوري وغيره، وليس له عن ابن عيينة شيء، وعنه الأعلام، أحمد، والذهلي، و (خ) ، وكان من الصالحين.

واختلف في توثيقه وجرحه، واحتجاج (خ) به في غير موضع كاف، وقال يحيى بن معين ثقة في كل شيء إلا في حديث سفيان الثوري.

وقال يحيى بن آدم كثير في سفيان كأنه كان صغيرًا لم يضبط، وأما في غيره فهو ثقة رجل صالح.

وروى (م) في الجنائز حديثًا واحدًا عن ابن أبي شيبة عنه عن الثوري، وروى (د، ق، س، ت) بواسطة، و (خ) في الأدب عن يحيى بن بشر عنه، و (م) في مقدمته عن الحلواني، عن الحماني، عن قبيصة وأخيه سفيان.

مات في المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين.

النووي مات سنة خمس عشرة ومائتين، وهما قولان، والإسناد فالراوي عن أبي هريرة مالك بن أبي عامر، أبو أنس الأصبحي المدني، جد مالك الإمام، والد أنس والربيع ونافع، وأويس، حليف عثمان بن عبد الله أخي طلحة التيمي القرشي. سمع عمر وغيره، وعنه سليمان بن يسار، وغيره. مات سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين.

وأما ولده نافع فهو أبو سهيل المدني عم الإمام مالك، سمع أنس بن مالك الصحابي، وأباه، وجمعًا من التابعين، وعنه الزهري ومالك وآخرون. قال أحمد وأبو حاتم ثقة.

وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، مولاهم المدني، قارئ أهل المدينة، وهو أخو محمد ويحيى وكثير، ويعقوب بن جعفر، سمع جمعًا من التابعين، وعنه جمع من الأعلام منهم قتيبة.

مات ببغداد سنة ثمانين ومائة. قال يحيى بن معين ثقة.

وسليمان هو أبو الربيع، سليمان بن داود الزهراني العتكي، سكن بغداد، وسمع كبار الأئمة منهم مالك، وعنه الحفاظ أحمد، و (خ، م، د) ، وروى (ن) عن رجل عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يعلى، والبغوي. وثقه ابن معين وغيره، مات بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين.

في الإسناد الأول لطيفة، وهي ص 189 أنهم كلهم مدنيون إلا أبا الربيع.

والإسناد الثاني كلهم كوفيون إلا عبد الله بن عمرو، وفيه لطيفة ثانية، وهي رواية ثلاثة من الأتباع بعضهم عن بعض الأعمش، وابن مرة، ومسروق.

ومراد (خ) بإيراد هذين الحديثين هنا أن المعاصي تنقص الإيمان كما أن الطاعات تزيده.

قوله (( آية المنافق ) )والنفاق زعم ابن سيده أنه الدخول في الإسلام من وجه، والخروج عنه من وجه، مشتق من نافقاء اليربوع [1] ، إسلامية، وقد نافق منافقة ونافقًا، والنافقاء والنفقة جحر الضب واليربوع، وقيل هما موضع يرفقه اليربوع من جحره فإذا أتى من القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج.

وقال القزاز يقال اليربوع ينافق فهو منافق إذا فعل ذلك، وكذلك نفق ينفق فهو منافق من هذا. وقيل المنافق مأخوذ من النفق وهو السرب تحت الأرض، يراد أنه يستر بالإسلام كما يستر صاحبه النفق فيه، وجمع النفق أنفاق، وجاء على فعال، وأكثر ما يجيء على فعال ما كان من اثنين، وإنما جاء على هذا عندهم؛ لأنه بمنزلة خادع ورادع، وقيل بل؛ لأنه يقابل بقبول الإسلام منه، فإن علم أنه منافق فقد صار الفعل من اثنين، وسمي الثاني باسم الأول مجازًا؛ للازدواج كقوله تعالى {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} [البقرة194] .

وقال ابن الأنباري في تسمية المنافق ثلاثة أقوال

أحدها لأنه يستر كفره فأشبه داخل النفق للستر.

ثانيها لتشبهه باليربوع، فالمنافق يخرج من الإيمان من غير الموضع الذي دخل فيه.

ثالثها أن اليربوع يخرق الأرض حتى يرق تراب ظاهرها، فإذا رابه أمر رفعه وخرج. فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر، فكذلك المنافق باطنه الكفر وظاهره الإيمان، فشبه به.

قال مالك فيما حكاه القرطبي النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة عندنا اليوم.

والكذب نقيض الصدق، والوعد، قال الفراء يقال وعدته شرًا بإسقاط الألف فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير أوعدته، وفي الشر أوعدته، وفي الخير الوعد والعدة، وفي الشر الإيعاد والوعيد، فإذا قالوا أوعدته بالشر أثبت الألف مع الباء. وقال ابن الأعرابي أوعدته خيرًا وهو نادر.

الجوهري تواعد القوم أي وعد بعضهم بعضًا، هذا في الخير، وإنما في الشر فيقال اتعد، والاتعاد أيضًا قبول الوعد، وناس يقولون ائتعد يأتعد فهو مؤتعد بالهمز. كذا في (( الصحاح ) )، وقال ابن بري الصواب ترك الهمزة.

والخيانة أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح، قاله ابن سيده [2] .

والغدر ترك الوفاء. الجوهري غدر به فهو غادر وغدر أيضًا. وقال صاحب (( المجمل ) )الغدر نقض العهد وتركه. وفتح الدال من غدر أفصح من كسرها، وفي المضارع الضم والكسر.

وفجر مال عن الحق وقال الباطل، وأصله الميل عن القصد، والخصلة الخلة. بفتح الخاء فيها.

فحصل من مجموع الروايتين أن خصال المنافق خمس إذا حدث كذب، وإن كانت الخصلة الرابعة داخلة في الثالثة؛ لأن الغدر خيانة ممن ائتمن عليه من عهد وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر، ولا منافاة بين الروايتين، فإن الزائد علم به ثانيًا، ولأن الشيء الواحد قد يكون له علامات كل واحدة منها يحصل بها صفته ثم قد تكون تلك العلامة شيئًا واحدًا وقد تكون أشياء.

وروى أبو أمامة موقوفًا وإذا غنم غل وإذا أمر ص 190 عصى، وإذا لقي جبن.

ثم هذا الحديث عده جماعة من العلماء مشكلًا من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق ليس فيه شك، وأجمعت الأمة على أن من كان مصدقًا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفره، ولا هو منافق يخلد في النار؛ قالوا وقد جمعت إخوة يوسف عليه السلام هذه الخصال ووجد لبعضهم بعضها أو كلها.

وانفصلوا عنه بأوجه

أظهرها أن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه المنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه خاصًا في حق من حدثه ووعده وائتمنه وعاهده وخاصمه من الناس، لا أنه منافق في حق الإسلام يظهره ويبطن الكفر، هذا هو المراد لا أنه أراد نفاق الكفار الذي يخلد صاحبه في الدرك الأسفل.

قوله (( كان منافقًا خالصًا ) )معناه شديد التشبه بالمنافقين؛ بسبب هذه الخصال، وقد روي عن عمار موقوفًا ثلاث إذا كن في عبد فلا يتحرج أن تشهد عليه أنه منافق، ومن كان إذا حدث صدق، وإذا وعد أنجز، وإذا اؤتمن أدى فلا تتحرج أن تشهد أنه مؤمن.

وقد روي (( سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ) )وإنما هو كفر دون كفر وفسوق دون فسوق، وكذلك يكون نفاق دون نفاق.

قال بعضهم وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، فأما من ندر ذلك منه فليس داخلًا فيه. وقد نقل الترمذي معناه عن العلماء مطلقًا فقال إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل. وأجاب هؤلاء عن قصة إخوة يوسف بأن هذا لم يكن عادة لهم إنما حصل منهم مرة واستغفروا وحللهم صاحب المظلمة.

وقيل المراد المنافقون الذين كانوا في زمانه عليه السلام، الذين حدثوا بإيمانهم فكذبوا، وائتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوه في النصرة فخالفوا، وفجروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء.

وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس، ويروى عنهما مرفوعًا (( ما لكم ولهن إنما خصصت به المنافقين أما قول إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله علي {إذا جاءك المنافقون} [المنافقون1] الآية أفأنتم كذلك؟ ) )قلنا لا. قال (( فلا عليكم، أنتم من ذلك براء، وأما قولي إذا وعد أخلف فذلك قوله تعالى {ومنهم من عاهد الله} [التوبة75] الآيات الثلاث، أفأنتم كذلك؟ ) )قلنا لا. قال (( لا عليكم أنتم براء من ذلك، وأما قولي إذا اؤتمن خان، فذلك فيما أنزل الله تعالى علي {إنا عرضنا الأمانة} [الأحزاب72] الآية، فكل إنسان مؤتمن على دينه، فالمؤمن يغتسل من الجنابة ويصلي ويصوم في السر والعلانية، والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية أفأنتم كذلك؟ ) )قلنا لا. قال (( لا عليكم أنتم من ذلك براء ) ).

قال القاضي وبهذا القول مال كثير من أئمتنا.

وقيل إنه وارد في منافق بعينه، وكان عليه السلام لا يواجههم بالصريح من القول وإنما يشير إليهم بالإشارة والعلامة.

وقال حذيفة ذهب النفاق، وإنما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه الكفر بعد الإيمان، فإن الإسلام شاع وتوالد الناس عليه، فمن نافق فهو مرتد.

وقيل إنه محمول على من غلبت هذه الخصال ص 191 عليه وهذا سلف، فحذر المسلم من اعتياد هذه الخصال؛ خوفًا من إفضائها إلى النفاق.

قال الخطابي وكلمة (( إذا ) )تقتضي تكرار الفعل.

قال وقد جاء في الحديث (( التاجر فاسق ) (( أكثر منافقي أمتي قراؤها ) )، ومعناه التحذير من الكذب، إذ هو في معنى الفجور فلا يوجب أن يكون التجار كلهم فجارًا، والقراء قد يكون من بعضهم قلة إخلاص للعمل ولا يوجب أن يكونوا كلهم منافقين.

وسئل مالك عمن جرب عليه كذب فقال أي نوع من الكذب لعله إذا حدث عن غضادة عيش سلف راد في وصفه أو عما رآه في سفره فهذا لا يضر إنما يضر من حدث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه عامدًا للكذب.

ويستحب الوفاء بالوعد بالهبة وغيرها استحبابًا مؤكدًا، ويكره إخلافه كراهة تنزيه؛ لأنه هبة لا يلزم إلا بالقبض، قال الغزالي في (( الإحياء ) )إخلاف الوعد إنما يكون كذبًا إذا لم يكن في عزمه حين الوعد الوفاء به، أما لو كان عازمًا عليه ثم بدا له فليس بكذب.

وقيل إخلاف الوعد من أخلاق الوغد. ويستحب إخلاف الوعيد إذا كان المتوعد به جائزًا ولا يترتب على تركه مفسدة.

وعن الحسن المنافق إذا صلى راءيًا بصلاته، وإذا فاتته لم ييأس عليها، ويمنع زكاة ماله.

قال والدي رحمه الله تعالى

المنافق هو المظهر لما يبطن خلافه وقيل هو نافقاء اليربوع فإن إحدى جحريه [3] يقال لها النافقاء وهو موضع يرققه بحيث إذا ضرب رأسه عليه ينشق وهو يكتمها ويظهر غيرها، فإذا أتى الصائد من قبل القاصعاء وهو جحره الظاهر الذي يقصع فيه؛ أي يدخل ضرب النافقاء برأسه فانتفق؛ أي خرج فكما أن اليربوع يكتم النافقاء ويظهر القاصعاء كذلك المنافق يكتم الكفر ويظهر الإيمان أو يدخل في الشرع من باب ويخرج من آخر.

قوله (( نافع ) )هو أبو سهيل عم مالك بن أنس الإمام المشهور. قوله (( عن أبيه ) )أي مالك بن أبي عامر وهو أبو أنس الأصبحي المدني التابعي جد الإمام المذكور توفي سنة اثنتي عشر ومائة.

قوله (( آية المنافق ) )أي علامته، وسميت آية القرآن آية لأنها علامة انقطاع كلام من كلام.

فإن قلت الآية مفردة والظاهر أن يقال الآيات ثلاث. قلت إما أن يقال كل من الثلاث آية حتى لو وجدت خصلة واحدة يكون صاحبها منافقًا أو أن يقال كل الثلاث معًا آية حتى إذا اجتمعت تكون آية واحدة فعلى الأول المراد منها جنس الآية، وعلى الثاني معناه الآية اجتماع هذه الثلاث.

فإن قلت الجملة الشرطية بيان لثلاث أو بدل لكن لا يصح أن يقال الآية إذا حدث كذب فما وجهه. قلت معناه آية المنافق كذبه عند تحديثه وذلك مثل قوله تعالى {فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا} على أحد التوجيهات.

فإن قلت الوعد تحديث خاص فما معنى عطفه على التحديث والخاص إذا عطف على العام لا يخرج تحت العام فالآية اثنتان لا ثلاث. قلت لما كان لازم الوعد الإخلاف الذي قد يكون فعلًا وهو غير الكذب الذي هو لازم التحديث وهو لا يكون فعلًا جعلًا متغايرين نظرًا إلى اعتبار تغاير لازميهما أو جعل الوعد حقيقة أخرى غير داخلة تحت حقيقة التحديث على سبيل الادعاء لزيادة قبحه كما يدعي أن جبريل نوع آخر غير الملائكة لزيادة شرفه.

وإنما خصص هذه الثلاث بالذكر لأنها مشتملة على المخالفة التي عليها مبنى النفاق من مخالفة السر العلن.

الطيبي الإتيان بالجملة الشرطية مقارنة بإذا الدالة على تحقق الوقوع ص 192 يدل على أن هذه عادتهم، وقال الخطابي كلمة إذا تقتضي تكرار الفعل.

وأقول وفي كون إذا دليلًا على أنها عادتهم أو أنها تقتضي تكرار الفعل تطويل الأولى أن يقال حذف المفعول من حدث ونحوه يدل على العموم أو الإطلاق، وكأنه قال إذا حدث في كل شيء كذب فيه أو إذا وجد ماهية التحديث كذب ولاشك أن مثله منافق في الدين.

أقول فلدفع الأشكال خمسة أوجه لأن اللام إما للجنس فهو إما على سبيل التشبيه أو أن المراد الاعتياد أو معناه الإنذار، وإما للعهد إما من منافقي زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإما منافق خاص بعينه وههنا وجه سادس للدفع، وهو أن المراد بالنفاق هو النفاق العمل لا النفاق الإيماني إذ النفاق نوعان كما يستفاد من كلام الخطابي وأحسن الوجوه السابع بأن يقال النفاق شرعي وهو ما يبطن الكفر ويظهر الإسلام وعرفي وهو ما يكون سره خلاف عكفه وهذا هو المراد إن شاء الله تعالى.

يحكى أن رجلًا من البصرة قدم مكة حاجًا فجلس في مجلس عطاء بن أبي رباح فقال سمعت الحسن يقول من كان فيه ثلاث خصال لم أتحرج أن أقول أنه منافق فقال له عطاء إذا رجعت إلى الحسن فقل له إن عطاء يقرأ عليك السلام ويقول لك ما تقول في بني يعقوب إذ حدثوا فكذبوا ووعدوا فأخلفوا وائتمنوا فخانوا فكانوا منافقين فلما قال للحسن سر الحسن به، وقال جزاك الله خيرًا ثم قال لأصحابه إذا سمعتم مني حديثًا فاصنعوا مثل ما صنع أخوكم حدثوا به العلماء فما كان منه صوابًا فحسن وإن كان غير ذلك فردوا علي جوابه.

وعن مقاتل بن حيان أنه سأل سعيد بن جعفر عن هذا الحديث وقال هذه مسألة قد أفسدت علي معيشتي؛ لأني أظن أني لا أسلم من هذه الثلاث أو من بعضها فضحك سعيد وقال أهمني ما أهمك فأتيت ابن عمر وابن عباس فقصصت عليهما فضحكا وقالا أهمنا والله يا ابن أخي ما أهمك من هذا الحديث فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عنه فضحك فقال (( مالكم ولهن أما قولي إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله علي {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} وأما إذا وعد أخلف فذلك في قوله تعالى {فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم} الآية وأما إذا ائتمن خان فذلك فيما أنزل الله {إنا عرضنا الأمانة} وأنتم براء من ذلك ) ).

قوله (( قبيصة ) )بالقاف المفتوحة والموحدة المكسورة والمهملة (( ابن عقبة ) )هو أبو عامر السوائي بضم المهملة وتخفيف الواو وكسر الهمزة بعد الألف وذكر ترجمته، وقال قال النووي ويكفي في جلالته احتجاج (خ) به في موضع غير هذا، وأما هذا الموضع فقد يقال إنما ذكره متابعة لا متأصلًا.

وأقول ليس ذكره في هذا الموضع على طريق المتابعة لمخالفة هذا الحديث ما تقدم لفظًا، ومعنى من جهات كالاختلاف في ثلاث وأربع وكزيادة لفظ خالصًا، وقال جعفر بن حمدويه كنا على باب قبيصة ومعنا ابن مالك الجبل ومعه الخدم فدق الباب على قبيصة فأبطأ بالخروج فعاوده الخدم، وقالوا ابن مالك على الباب ومعه الخدم وأنت لا تخرج إليه قال فخرج وفي طرف إزاره كسيرات من الخبز، فقال رجل رضي من الدنيا بهذه ما يصنع بابن مالك الجبل والله لا أحدثه فلم يحدثه ص 193 أبدًا توفي سنة خمس عشرة ومائتين.

قوله (( سفيان ) )بالحركات الثلاث في سينه هو الإمام الكبير أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة أبو عبد الله ابن سعيد الثوري منسوبًا إلى أحد أجداده المسمى بثور الكوفي.

قال ابن عيينة أنا من غلمان الثوري وكان وهيب يقدم سفيان في الحفظ على مالك، وذكر ترجمته وقصته مع أبي جعفر حين أمر بصلبه بمكة معروفة، وانتقل سفيان إلى البصرة فمات فيها متواريًا من سلطانها ودفن عشاء سنة ستين ومائة.

قوله (( مسروق ) )هو أبو عائشة بن الأجدع بالجيم والمهملتين الهمداني التابعي، وسمي به لأنه سرق في صغره ثم وجدوه فغلب عليه ذلك، قوله (( خالصًا ) )قال ابن بطال خالصًا معناه خالصًا في هذه الخصال المذكورة في الحديث فقط لا في غيرها.

قال النووي أي أشد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال وقال ولا منافاة بين الروايتين من ثلاث خصال كما في الحديث الأول أو أربع خصال كما في الحديث الثاني لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات فتارة يذكر بعضها وأخرى جميعها أو أكثرها، وأقول وأولى ما يقال التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد وعلى الناقص.

النووي حصل من هذا الحديثين أن خصال المنافق خمسة قاله في شرح هذا الصحيح وقال في (( شرح مسلم ) ) (( إذا عاهد غدر ) )هو داخل في قوله (( إذا ائتمن خان ) )يعني هو أربعة.

وأقول لو اعتبرنا هذا الدخول فالخمس راجعة إلى الثلث فتأمل، والحق أنها خمسة متغايرة عرفًا وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضًا، ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف الباطن أما في الماليات وهو إذا اؤتمن خان، وأما في غيرها فهو إما في حالة الكدورة وهو إذا خاصم وإما في حالة الصفا فهو إما مؤكدة باليمين وهو إذا عاهد أولًا فهو إما بالنظر إلى المستقبل وهو إذا وعد وإما بالنظر إلى الحال وهو إذا حدث.

وأما مناسبة هذا الباب بكتاب الإيمان أن يبين أن هذه علامة عدم الإيمان أو يعلم منه أن بعض النفاق كفر دون بعض.

قوله (( تابعه ) )قد مر معنى المتابعة وفائدتها التقوية وهذه هي المتابعة المقيدة لا المطلقة حيث قال عن الأعمش والناقصة لا التامة حيث ذكر المتابعة من وسط الإسناد لا من أوله.

[1] في هامش المخطوط أقول اليربوع ثلاثة أحجار النافقاء والقاصعاء والداماء وإذ يخرج اليربوع من نافقاء ومن قاصعاء أيشيحه ليتقصع.

[2] في هامش المخطوط وإن أنا إن أوعدته أو وعدته لمنجز ميعادي ومخلف موعدي.

[3] في هامش المخطوط أقول جحرته النافقاء القاصعاء الداماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت