فيه حديثان
1 حديث أبي هريرة (( لا تقوم الساعة ) ).
2 حديث ابن عمر اللهم بارك لنا.
المراد بقبض العلم فيه أكثره فيقل، ومنه (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا، ولكن يقبض العلماء ) )يبينه قوله (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله ) )، وقوله تعالى {ليظهره على الدين كله} [التوبة33] فلن تخلو الأرض من قائم بالحجة، ومن مبين طريق المحجة.
قوله (( تكثر الزلازل ) )هو جمع زلزلة وهي حركة الأرض بتحرك الموضع منها حتى ربما يسقط البناء.
أقول قال العلماء بالآثار العلوية الزلازل بخار يابس تحيض في الأرض وتخرج من باطنها، والبخار من شأنه الحركة والسمو إلى فوق فإذا تحرك للخروج وصادف أرضًا صلبة لم يستطع الخروج فاضطرب لذلك تحت الأرض ويكون أكثر كونها بالليل وعند الصباح ونصف النهار، لأنها أوقات هبوب الرياح وإن صادفت أرضًا رخوة خرجت من غير زلزلة وإن كانت الأرض حجرية صلبة كرب فيها الزلازل.
قال ص 1158 ابن الملقن رحمه الله تعالى وظهورها والآيات وعيد من الرب تعالى لأهل الأرض {وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا} [الإسراء59] ، وكذا قال عليه السلام (( إنه وعيد شديد لأهل الأرض ) ).
والتخويف والوعيد بهذه الآيات إنما يكون عند المجاهرة بالمعاصي والإعلان بها، ألا ترى قول عمر حين زلزلت المدينة في أيامه يا أهل المدينة، ما أسرع ما أحدثتم؛ والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم؛ فخشي أن تصيبه العقوبة معهم. كما قالت عائشة يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال (( نعم، إذا كثر الخبث وإذا هلكت العامة بذنوب الخاصة بعث الله الصالحين على نياتهم ) ).
واختلف في الصلاة عند الزلزلة والهادِّ وسائر الآيات، فقالت طائفة يصلى عندها كما في الكسوف، وروي عن ابن عباس أنه صلى في الزلزلة بالبصرة.
وقال ابن مسعود إذا سمعتم هذا من السماء فافزعوا إلى الصلاة. وهو قول أحمد وإسحاق وأبو ثور، وكان مالك والشافعي لا يريان ذلك.
وروى الشافعي أن عليًا صلى في الزلزلة جماعة، ثم قال إن صح قلت به، فمن أصحابه من قال هذا قول آخر له في الزلزلة وحدها، ومنهم من عمم في جميع الآيات، لكنه لم يصح عن علي، ولو ثبت حمل علي الصلاة منفردًا.
وقال الكوفيون الصلاة في ذلك حسنة، وحديث الكسوف (( إذا رأيتم شيئًا من ذلك ) )يعم الزلازل وجميع الآيات، لكن رواية (( فإذا رأيتموهما ) )يعني الشمس والقمر تأباه، وما صلى الشارع إلا في الشمس والقمر، وهو المنقول عن فعله.
قال الشافعي قال الله تعالى {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر} [فصلت37] الآية، وقال {في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر} [البقرة214] الآية. مع ذكر غيرها من الآيات في كتابه، فذكر الآيات ولم يذكر معها سجود إلا مع الشمس والقمر، فأمر أن لا يسجد لهما وأمر أن يسجد له.
فاحتمل أمره أن يسجد له عند ذكر الشمس والقمر، أن يأمر بالصلاة عند حادث فيهما. واحتمل أن يكون إنما نهى عن السجود لهما كما نهى عن عبادة ما سواه، فدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يصلى عند كسوفها فأشبه ذلك الاختصاص بهما، ولا يفعل في شيء غيرهما.
وقال ابن التين استحب بعض العلماء أن يفزع إلى الصلاة عند الزلازل والظلمة. وكره في (( المدونة ) )السجود عند الزلازل وسجود الشكر. ويروى عن مالك جواز السجود عند الشكر.
قوله (( ويتقارب الزمان ) )في معناه أربعة أقوال، حكاها ابن الجوزي
1 أنه قرب القيامة، والمعنى إذا قربت القيامة كان من شرطها الشح والهرج.
2 أن قصر مدة الأزمنة كما جرت به العادة، كما جاء حين تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم.
3 أن قصر الأعمار يعني وقلة البركة فينا.
4 أنه تقارب أحوال الناس في غلبة الفساد عليهم. ويكون المعنى يتقارب أهل الزمان أي تتقارب صفاتهم في القبائح. ولهذا ص 1159 ذكر على أثره الهرج والشح. وقال ابن التين قيل إن الليالي والأيام والساعات تقصر.
ويحتمل أن يريد تقارب الآيات بعضها من بعض، وقرب الساعة. قال تعالى {اقترب للناس حسابهم} [الأنبياء1] ، وقال {اقتربت الساعة} [القمر1] .
وقال المنذري في (( حواشيه ) )قيل معناه تطيب تلك الأيام، حتى لا تكاد تستطال بل تقصر. وقيل على ظاهره من قصر مددها. وقيل تقارب أحوال أهله في قلة الدين حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر؛ لغلبة الفسق وظهور أهله. قال الطحاوي وقد يكون معناه في ترك طلب العلم خاصة.
قوله (( ويكثر الهرج وهو القتل ) )قال ابن التين الهرج ساكن الراء القتل، كما ذكر وبتحريكها أن تظلم عينا البعير من شدة الحر.
قوله (( حتى يكثر فيكم المال فيفيض ) )الفيض الكثير، كما قاله أهل اللغة. قال صاحب (( المطالع ) )يفيض المال أي يكثر حتى يفضل منه بأيدي ملاكه ما لا حاجة لهم به. وقيل بل ينشر في الناس ويعمهم، وهو الأولى.
وفيه أشراط من الساعة قد ظهرت، قال ابن بطال ونحن في ذلك قبض العلم، وظهرت الفتن، وعمت وطبقت، وكثر الهرج وهو القتل وكثر المال، ولا سيما عند أراذل الناس، كما جاء في الحديث (( عند تقارب الزمان أسعد الناس يكون في الدنيا لكع بن لكع ) )، (( ويتطاول رعاة الإبل البهم في البنيان ) )، وقد شاهدناه. هذا لفظه. فكيف لو أدرك زمننا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما الحديث الثاني فيأتي نحوه في الفتن، من طريق نافع عن ابن عمر، وأخرجه (ت) في المناقب، قال وقد روي هذا الحديث أيضًا عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم تم في نسخ وقف هذا الحديث على ابن عمر، وفي نسخة الدمياطي رفعه.
ونقل ابن بطال عن القابسي أنه سقط من الحديث (( عن رسول الله ) )لأن مثل ذلك لا يدرك بالرأي. والشأم مأخوذ من اليد الشؤمى، وهي اليسرى أي عن يسار الكعبة. واليمن مأخوذ من اليد اليمنى؛ لأنها عن يمين الكعبة. قال ابن العربي ما كان عن يمينك إذا خرجت من الكعبة فهو يمين، وما كان عن يسارك فهو شأم. وقيل إنما سمي اليمن؛ لأنه عن يمين الشمس.
قوله (( قالوا وفي نجدنا قال اللهم بارك لنا .. إلى آخره ) )وفي رواية أخرى (( ذكر ذلك مرتين ) )، وفي أخرى (( ثلاثًا ) )، وفي رواية عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عون أخرجها الإسماعيلي فلما كان في الثالثة أو الرابعة قالوا يا رسول الله، وفي نجدنا، قال أظنه قال (( وفي نجدنا ) )قال بها الزلازل والفتن. وخصت الفتن بالمشرق؛ لأن الدجال ويأجوج ومأجوج يخرجون من هناك.
روى معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن كعب قال يخرج الدجال من العراق، وقال عن عبد الله بن عمرو بن العاص يخرج الدجال من كور من الكوفة.
و (( قرن الشيطان ) )ذهب الداودي إلى أن له قرنًا حقيقة، يطلع مع الشمس، ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال. ولا يمتنع أن يخلق الله شيئًا يسمى شيطانًا تطلع الشمس بين قرنيه، ويحتمل أن يريد به القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرن الشيطان في ربيعة ومضر )) .
وقال ابن بطال قرن الشيطان أمته وحزبه، وقال المهلب إنما ترك الدعاء لأهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم؛ لاستيلاء الشيطان بالفتن فيها كما دعا على أهل مكة بسبع كسبع يوسف؛ ليؤذيهم بذلك.
وكذا ص 1160 دعا أن ينقل الحمى إلى الجحفة. وذلك والله أعلم لما رأوه من إرداف السوداء في المنام، فتأول أنهم أحق بمثل هذا البلاء؛ ليضعفوا عما كانوا عليه من أذى الناس، وإنما لم يقل في نجدنا؛ لأنه لا يحب أن يدعو بما سبق في علم الله خلافه؛ لأنه لا يبدل القول لديه.
قوله (( هناك الزلازل والفتن ) )يعني ما كان بتلك الجهة من الحروب والفتن.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( يقبض العلم ) )وذلك بموت العلماء وكثرة الجهلاء وبتقارب الزمان هو مجمل، وبيانه ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال (( لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالصرمة بالنار ) ).
ويحتمل أن يكون معناه يتقارب أهل الزمان في ثبوت الجهل لهم وانتفاء العلم منهم أو يتقارب الليل والنهار في عدم ازدياد الساعات وانتقاصها بأن يتساويا طولًا وقصرًا، قال أهل الهيئة تنطبق دائرة منطقة البروج على دائرة معدل النهار فحينئذ يلزم تساويهما ضرورة, وقال النووي معناه حتى يقرب الزمان من القيامة.
قال والدي رحمه الله تعالى حاصل تفسيره أنه لا تكون القيامة حتى تقرب القيامة وهذا الكلام مهمل لا طائل تحته وقيل يتقارب الزمان بقصر أعمار أهله.
القاضي البيضاوي أو يراد أن تتسارع الدول إلى الانقضاء فتتقارب أيام الملوك.
قوله (( حتى يكثر ) )وذلك لقلة الرجال وقلة الرغبات ولقصر الآمال لعلمهم بقرب الساعة.
فإن قلت لم ترك الواو ولم يعطف على ما قبله, قلت لأنه غاية لكثرة الهرج ويحتمل أن تكون معطوفة على ما قبله والواو محذوفة، وقد تقدم أن التحيات المباركات تقديره والمباركات وحذف الواو جائز معروف في اللغة.
قوله (( فيفيض ) )بفتح حرف المضارعة يقال فاض الماء يفيض إذا كثر حتى سال على ضفة الوادي أي جانبه، ويقال أفاض الرجل إناءه أي ملأه حتى فاض.
قوله (( في شامنا ويمننا ) )أي الإقليمين المشهورين، ويحتمل أن يراد بهما البلاد التي في يميننا ويسارنا أعم منهما يقال نظرت يمنة وشامة أي يمينًا ويسارًا.
(( ونجد ) )خلاف الغور، والغور هو تهامة وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد، قال النسفي قال أبو عبد الله هذا الحديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن ابن عون كان يوقفه.
الزركشي
قوله (( يكثر فيكم المال فيفيض ) )بالرفع والنصب.