قوله أن عائشة كانت لا تسمع شيئًا إلى آخره، هذا الحديث أخرجه (خ) في مواضع هنا، وفي التفسير والرقاق عن عمرو بن علي، وفي الرقاق أيضًا عن عبيد الله، وفي التفسير عن سليمان بن حرب، وأخرجه (م) في أواخر الكتاب عن أبي بكر، وأخرجه في التفسير عن مسدد، وأخرجه (م) أيضًا عن عبد الرحمن بن بشر.
ورواته سبق تعريفهم سوى نافع بن عمر بن عبد الله بن جميل بن عامر بن خثيم بن سعيد بن عامر بن حذيم بن سلامان بن ربيعة بن سعد بن جمح القرشي الجمحي المكي، وهو ثبت حجة، مات سنة تسع وستين ومائة.
وسعيد هو أبو محمد سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي البصري، سمع مالكًا وغيره، وعنه (خ) هنا وغيره، وروى (م، د، ت، ن، ق) عن رجل عنه، وروى (خ) في تفسير سورة الكهف عن محمد بن عبد الله عنه. قال الحاكم يقال إنه الذهلي محمد بن يحيى، وكان فقيهًا مصريا ثقة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين.
قال أحمد بن عبد الله كان له دهليز طويل، يأتيه الرجل يقف يسلم عليه فيرد عليه لا سلم الله عليك ولا حفظك. فأقول ما لهذا؟ فيقول قدري. ويقول مثله لآخر، فأقول ما لهذا؟ فيقول رافضي خبيث. لا يظن إلا رد عليه سلامه، وكان عاقلًا، لم أر بمصر أعقل منه. وأتاه رجل فسأله أن يحدثه فامتنع، وسأله آخر فأجابه، فقال له الأول سألتك فلم تجبني، وسألك فأجبته؟ فقال إن كنت تعرف الشيباني من النسائي، وأبا جمرة من أبي حمزة، وكلاهما عن ابن عباس حدثناك.
وقد استدرك الدارقطني هذا الحديث على الشيخين، وقال اختلفت الرواية فيه عن ابن أبي مليكة فروى عنه عن عائشة، وعنه عن القاسم عنها.
والجواب أن هذا ليس علة لجواز أن يكون سمعه منها ومن القاسم عنها.
قوله (( نوقش الحساب ) )قال الهروي انتقشت منه حقي استقضيته منه، ونقش الشوكة استخرجها، ومعنى الحديث أنه مفض إلى استحقاق العذاب، إذ لا حسنة للعبد يعملها إلا من عند الله وبفضله وإقداره له عليها وهدايته لها، وأن الخالص من الأعمال قليل، ويؤيده قوله (( يهلك ) )مكان (( يعذب ) ).
ويحتمل كما قال القاضي أن نفس مناقشة الحساب يوم عرض الذنوب والتوقيف على قبيح ما سلف له تعذيب وتوبيخ.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( فراجعه ) )وفي بعضها (( فراجع فيه ) ). قوله (( كانت لا تسمع ) )فإن قلت كانت للماضي ولا تسمع للمضارع فكيف اجتماعها. قلت كانت هنا لثبوت خبرها دائمًا والمضارع للاستمرار فيتناسبان ص 369 أو جيء بلفظ المضارع استحضارًا للصورة الماضية وحكاية عنها فلفظه وإن كان مضارعًا لكن معناه على الماضي.
فإن قلت ألا راجعت استثناء متصل أو منقطع. قلت متصل وراجعت هو صفة لموصوف محذوف؛ أي كانت لا تسمع شيئًا مجهولًا موصوفًا بصفة إلا موصوفًا بأنه مرجوع فيه.
قوله (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حوسب عذب ) )عطف على قوله أن عائشة، واعلم أن هذا القدر من كلام ابن أبي مليكة مرسل إذ لم يسنده إلى صحابي.
قوله (( أوليس يقول الله تعالى ) )فإن قلت همزة الاستفهام تقتضي الصدارة وحرف العطف يقتضي عدم الصدارة فما تقديره؟ قلت ههنا وفي أمثاله مقدر هو المعطوف عليه وهو مدخول الهمزة نحو أكان كذلك وليس يقول الله عز وجل.
فإن قلت ما اسم ليس كما في بعض النسخ أوليس يقول الله. قلت إما أن يكون ليس بمعنى لا، وكأنه قيل أولًا يقول الله وإما أن يكون فيه ضمير الشأن.
قوله (( يسيرًا ) )أي سهلًا ههنا لا يناقش فيه ولا يعرض بما يشق عليه كما يناقش أصحاب الشمال، ووجه المعارضة أن الحديث عام في تعذيب كل من حوسب، والآية على عدم تعذيب بعضهم وهم أصحاب اليمين.
وجوابها أن المراد من الحساب في الآية العرض يعني الإبراز والإظهار، وعن عائشة رضي الله عنها هو أن يعرف ذنوبه ثم يتجاوز عنه. و (( ذلك ) )بكسر الكاف.
قوله (( نوقش ) )من المناقشة وهي الاستقصاء في الحساب. و (( يهلك ) )يجوز فيه الرفع والجزم؛ لأن الشرط ماض وبهما الرواية وهو بكسر اللام وهو لازم وتميم تقول هلكه يهلكه هلكًا بمعنى أهلكه، والمعنى هنا على اللزوم وإن احتمل التعدي أيضًا، والظاهر أن الحساب منصوب بنزع الخافض؛ أي في الحساب أي من جرى في حسابه المضايقة يهلك.
النووي قوله عذب له معنيان
أحدهما أن نفس المناقشة والتوقيف عليها هو التعذيب لما فيه من التوبيخ.
والثاني أنه مفض إلى العذاب بالنار، ويؤيده الرواية الأخرى يهلك مكان عذب، ومعناه أن التقصير غالب على العباد فمن استقصى عليه ولم يسامح هلك وأدخل النار ولكن الله يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء.