عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يوشك أن يكون ) )الحديث. ولما كان القرار صيانة للدين أطلق عليه (خ) دينًا هذا الحديث انفرد به (خ) عن (م) رواه هنا وفي الفتن وفي إتيان الكتاب وفي الرقاق وعلامات النبوة وهو من أحاديث مالك في (( الموطأ ) )، ذكر الخطيب في كتابه رافع الارتياب أن الصواب عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة قال ابن المديني وهم ابن عيينة حيث قال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة.
وقال الدارقطني لم يختلف عن مالك في اسمه، وفي (( طبقات ابن سعد ) )عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة.
واسمه عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج.
وأبو سعيد هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد، وقيل عبد بن ثعلبة بن عبد الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، وزعم بعضهم أن خدرة هي أم الأبجر.
استصغر يوم أحد فرد، وغزا بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشهد أبوه يوم أحد. روي له ألف حديث ومائة وسبعون حديثًا، اتفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد (خ) بستة عشر، و (م) باثنين وخمسين.
روى عن جماعة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة، والده مالك، وأخوه لأمه قتادة بن النعمان، وعنه جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس، وخلق من التابعين. وكان من الحفاظ المكثرين العلماء، أحد نجباء الأنصار وعلمائهم مع حداثة سنه، وكان يلبس الخز، ويحفي شاربه ولا يخضب.
وبايع النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يأخذه في الله لومة لائم مع جماعة، واستقال غيره. فأقيل، ويقال له عفيف المسألة؛ لأنه عف فلم يسأل أحدًا.
في وفاته ثلاثة أقوال سنة أربع وسبعين. وسنة أربع وتسعين ص 143 وثلاث وسبعين. ووهم من قال سنة أربع وتسعين.
واسم أبي سعيد سعد بن مالك كما سبق. وقيل اسمه سنان، وسنان والد مالك يقال له الشهيد، ولا خلاف في إهمال دال الخدري، وهو نسبة إلى خدرة، وقال ابن حبان في (( ثقاته ) )في ترجمة أبي سعيد إن خدرة من اليمن، ومراده أن الأنصار من اليمن فهم بطن من الأنصار، وهم نفر قليل بالمدينة. وقال أبو عمر وخدرة وخدارة بطنان من الأنصار، فأبو مسعود الأنصاري من خدارة، وأبو سعيد من خدرة، وهما ابنا عوف بن الحارث، كما سلف.
قلت وضبط أبو عمر خدارة بضم المعجمة وهو خلاف ما قاله الدارقطني من كونه بالجيم، أي المكسورة، وصوبه الرشاطي، والعسكري في (( الصحابة ) )وأبو الحسن القدسي، ويشتبه الخدري بالخدري بكسر الخاء وسكون الدال نسبة إلى خدرة بطن من ذهل بن شيبان، وبالخدري بفتحهما وهو محمد بن الحسن، متأخر روى عن أبي حاتم، وبالجدري بفتح الجيم والدال وهو عمير بن سالم، وبكسر وسكون نسبة إلى جدرة بطن من كعب.
قال ابن دريد خدرة فعلة، إما من الخدر أو من الخدر حكاه الرشاطي عنه.
وأبو سعيد هذا صحابي ابن صحابي أسلم والده، وقتل يوم أحد كما سلف، قتله عرار بن سفيان الكلابي. ولم يرو عنه شيء كما نص عليه العسكري فيما زعم، قال وذكر بعضهم أن أبا شيبة أخاه لا يعرف اسمه، وذكر أبو حاتم فيمن لا يعرف اسمه، مات في أيام يزيد بن معاوية غازيًا، ودفن في بلاد الروم.
وعبد الرحمن ووالده عبد الله فأنصاريان مازنيان مدنيان ثقتان، وقد سبق نسبهما، وجد عبد الرحمن الأعلى، شهد أحدًا، وقتل يوم اليمامة شهيدًا مع خالد بن الوليد، وكان عمرو أبو صعصعة، بفتح الصادين المهملتين سيد بني مازن بن النجار، قتله برذع بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر من الأوس غيلةً بدل قيس بن الخطيم، وكان قتله قوم من بني النجار وبني سلمة، ثم أسلم بردع وشهد أحدًا.
قال ابن سعد أدرك مالك بن أنس أبا عبد الرحمن وروى عنه وروى عن ابنيه عبد الرحمن ومحمد (خ، ن، ق) ، وروى (د) لعبد الله.
قال النسائي عبد الله ثقة وكذا ولده. مات عبد الرحمن سنة تسع وثلاثين ومائة.
وعبد الله بن مسلمة هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن مغيث القعنبي الحارثي المدني، سكن البصرة، كان مجاب الدعوة، سمع مالكًا والليث وحماد بن سلمة، وخلائق من الأعلام، وسمع من شعبة حديثًا واحدًا. وإمامته وإتقانه وجلالته مجمع عليه، قال أبو زرعة ما كتبت عن أحد أكبر في عيني منه.
وقيل لمالك إن عبد الله قدم، فقال قوموا بنا إلى خير أهل الأرض، وقال عبد الله اختلفت إلى مالك ثلاثين سنة، ما من حديث في (( الموطأ ) )إلا لو شئت قلت سمعته مرارًا من مالك، ولكني اقتصرت على قراءتي عليه؛ لأن مالكًا كان يذهب إلى أن القراءة على الشيخ أثبت من قراءة العالم.
وقال أبو سبرة الحافظ قلت للقعنبي حدثت ولم تكن تحدث! قال رأيت كأن القيامة قد قامت فصيح بأهل العلم فقاموا، وقمت معهم، فصيح بي اجلس، فقلت إلهي، ألم أكن معهم أطلب؟ قال بلى ولكنهم نشروا وأخفيته؛ فحدثت.
وروى عنه (خ، م) فأكثرا، و (م) عن عبد بن حميد عنه حديثًا واحدًا، و (ت، ن) عن رجل عنه. مات سنة إحدى وعشرين ومائتين. وهذا الإسناد كلهم مدنيون.
قوله (( يوشك ) )بضم الياء وكسر الشين أي يسرع ويقرب، ص 144 ويقال في ماضيه أوشك، ومن أنكر استعماله ماضيًا فغلط.
قال الجوهري أوشك فلان، يوشك إيشاكًا أي أسرع.
قال والعامة تقول يوشك بفتح الشين وهي لغة رديئة. قال ابن السكيت واشك يوشك وشاكًا، مثل أوشك، ويقال إنه مواشك، أي مسارع. ويوشك أحد أفعال المقاربة.
قوله (( خير مال المسلم غنم ) )يجوز فيه وجهان
أحدهما نصب (( خير ) )وهو الأشهر في الرواية، وهو خبر يكون مقدمًا ولا يضر كون الاسم وهو (( غنم ) )نكرة؛ لأنها وصفت بيتبع.
ثانيهما رفعه على أن يكون في (( يكون ) )ضمير الشأن؛ لأنه كلام تضمن تحذيرًا وتعظيمًا لما يتوقع. ويكون (( خير مال المسلم غنم ) )مبتدأً وخبرًا، وقد روي (( غنمًا ) )بالنصب وهو ظاهر قوله (( يتبع ) )بتشديد التاء، وقوله (( شعف الجبال ) )هو بشين معجمة مفتوحة ثم عين مهملة، وهي رءوس الجبال، وشعف كل شيء أعلاه، والواحدة شعفة.
قوله (( يفر بدينه من الفتن ) )أي من فساد ذات البين وغيرها، وخصت الغنم بذلك؛ لما فيها من السكينة والبركة وقد رعاها الأنبياء والصالحون مع أنها سهلة الانقياد، خفيفة المؤنة، كثيرة النفع.
قال أبو الزناد إنما خص الغنم حضًا على التواضع والخمول وترك الاستعلاء. وقد قال عليه السلام (( ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم ) ). وقال (( السكينة في أهل الغنم ) ).
وقال غيره إنما ذكر شعف الجبال لفراغها من الناس غالبًا، وشبهها مثلها، وقد ذكر في (م) بطن الوادي معه كما سلف.
وفيه فضل العزلة في أيام الفتن؛ لإحراز الدين؛ ولئلا تقع عقوبة فتعم، إلا أن يكون الإنسان ممن له قدرة على إزالة الفتنة، فإنه يجب عليه السعي في إزالتها، إما فرض عين، أو كفاية بحسب المال والإمكان. وأما في غير أيام الفتنة فاختلف أيها أفضل العزلة أم الاختلاط؟
فذهب الشافعي والأكثرون إلى تفضيل الخلطة؛ لما فيها من اكتساب الفوائد، وشهود الشعائر، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم ولو بعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وإفشاء السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وإعانة المحتاج، وغير ذلك مما يقدر عليه كل أحد. وإن كان صاحب علم أو زهد تأكد فضل اختلاطه.
وذهب آخرون إلى تفضيل العزلة؛ لما فيها من السلامة المحققة لمن لا يغلب على ظنه الوقوع في المعاصي، ومنها الاحتراز من الفتن.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( من الدين ) )هذا حيث لم يقل من الإيمان مع أن عقد الكتاب إنما هو في الإيمان مشعر بأن الدين والإيمان واحد كما أن الإيمان والإسلام أيضًا عنده واحد.
الطيبي اصطلحوا على ترادف الإيمان والإسلام والدين ولا مشاحة في الاصطلاحات. وذكر ترجمة القعنبي ثم قال قال عمرو بن علي الإمام كان القعنبي مجاب الدعوة ومات بمكة وكان مجاورًا بها في المحرم سنة إحدى وعشرين ومائتين.
والخدري بضم المعجمة وسكون الدال المهملة منسوب إلى خدرة أحد أجداده أو جداته وخدرة بطن من ص 145 الأنصار استشهد أبوه يوم أحد وهو كان صغيرًا وغزا بعد ذلك ثنتي عشرة غزوة وساق ترجمته.
قوله (( يوشك ) )هو بضم الياء وكسر الشين أي يقرب، ويقال في ماضيه أوشك وهو من أفعال المقاربة وقد وضع لدنو الخير أخذًا فيه وهو مثل كاد وعسى في الاستعمال فيجوز أوشك زيد يجيء وأن يجيء وأوشك أن يجيء زيد على الأوجه الثلاثة.
قوله (( يتبع ) )بتشديد التاء المفتوحة ويجوز سكونها. و (( الشعف ) )جمع شعفة، وهي رءوس الجبال (( ومواقع القطر ) )يعني الأودية والصحارى، وفي بعض النسخ بزيادة بها، والضمير راجع إلى الغنم وهو اسم الجنس يجوز تأنيثه باعتبار معنى الجمع ويجوز في خير مال المسلم غنم وجهان نصب خبر ورفعه ونصبه هو الأشهر في الرواية وهو خبر يكون مقدمًا ولا يضر كون الاسم وهو غنم نكرة لأنها موصوفة بقوله يتبع بها.
وأما الرفع فبأن يقدر في يكون الشأن ويكون خير مال المسلم غنم مبتدأ وخبرًا وقد روي غنمًا بالنصب وقيد بالغنم لأن هذا النوع من المال نموه وزيادته أبعد من الشوائب المحرمة كالربا والشبهات المكروهة ولما فيها من البركة والسكينة وغير ذلك.
وقال يفر بدينه إشعارًا بأن هذا الاتباع ينبغي أن يكون استعصامًا للدين لا لأمر دنيوي كطلب كثرة الملف وقلة أطماع الناس فيه، ولما كان الجمع فيه بين الرفق والربح وصيانة الدين كان خير الأموال الذي يعتني بها المسلم، وفيه إخبار بأنه يكون في آخر الزمان فتن.
قوله (( من الفتن ) )إما جملة حالية وذو الحال هو الضمير المستتر في يتبع، ويحتمل أن يكون هو المسلم ويحتمل الحال من المضاف إليه نحو {فاتبع ملة ابراهيم حنيفًا} .
فإن قلت إنما يجعل حالًا من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءًا من المضاف إليه أو في حكمه كما في رأيت وجه هند قائمة لا في رأيت غلام هند قائمة والمال ليس كذلك. قلت المال لشدة ملابسته بذي المال كأنه جزء منه، وأما اتحاد الخبر بالمال فظاهر أو جملة استئنافية على تقدير جواب سؤال يقتضيه المقام.
قوله (( من الفتن ) )وهو جمع الفتنة؛ أي من فساد ذات البين وغيرها.
فإن قلت كيف يجمع بين مقتضى الحديث من اختيار العزلة وبين ما ندب إليه الشارع من اختلاط أهل المحلة لإقامة الجماعة وأهل البلدة للجمعة وأهل السواد مع أهل البلدة للعيد وأهل الآفاق لوقوف عرفة وفي الجملة اهتمام الشارع بالاجتماع معلوم، ولهذا قال الفقهاء يجوز نقل اللقيط من البادية إلى القرية، ومن القرية إلى البلد لا عكسها.
ولا شك أن الإنسان مدني بالطبع محتاج إلى السواد الأعظم وكمال الإنسانية لا تحصل إلا بالتمدن. قلت ذلك عند عدم الفتنة وعدم وقوعه في المعاصي وعند الاجتماع بالجلساء الصلاح، وأما اتباع الشعف والمعاطن وطلب الخلوة والانقطاع إنما هو في أضداد هذه الحالات.
وفي الاستدلال بهذا الحديث للترجمة نظر لأنه لا يلزم من لفظ الحديث عد الفرار دينًا وإيمانًا بل هو صيانة للدين، فلعل (خ) نظر إلى أنه صيانة له فترجم له هذه الترجمة.
وأقول لا نظر إذ كلمة من ابتدائية أي الفرار من الفتنة منشؤه الدين، والحديث يدل عليه لأن الباء للسببية ثم التقريب ظاهر.
أقول قال ابن مالك يجوز في خبر وغنم رفع أحدهما على أنه اسم يكون ونصب الآخر على أنه خبر ما ويجوز رفعها على الابتداء، والخبر يتبع إسكان الباء وتشديدها، شعف بشين معجمة ثم عين مهملة مفتوحتين جمع شعفة رؤوس الجبال كأكمه وأكم ص 146 ويروى بالباء بذكر الفاء جمع شعبة وهي طرف الجبل ويروى شعاف وهو أيضًا جمع شعفة كأكمة وإكام قاله ابن السيد.