ذكر فيه حديث أسماء بنت أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف .. إلى آخره.
وسيأتي وسلف طرف منه في رؤية الجنة والنار، وحذفه ابن بطال من (( شرحه ) )، وانظر وجه مناسبته لها.
والذي ظهر لي فيه أن الإمام له أن ينظر ما أمامه، فإن الشارع رأى الجنة والنار في الصلاة. وقد ذكر بعده باب رفع البصر إلى السماء.
قالت عائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف (( فرأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا ) ).
وقد اختلف في أي موضع لفظ المصلي في صلاته فقال الكوفيون والشافعي وإسحاق وأبو ثور ينظر إلى موضع سجوده، قال الشافعي وهو أقرب إلى الخشوع وفيه حديث من طريق ابن عباس في كامل ابن عدي ليس من شرط هذا الصحيح.
ونعم السنة أن لا يجاوز بصره إشارته في التشهد، واستثنى بعض أصحابنا ما إذا كان يشاهدا الكعبة فإنه ينظر إليها، قال القاضي حسين ينظر إلى موضع سجوده في حيال قيامه وإلى قدميه في ركوعه وإلى أنفه في سجوده وحجره في تشهده لأن امتداد النظر يلهي فإذا قصر كان أولى.
وقال مالك ينظر أمامه وليس عليه أن ينظر سجوده وهو قائم، وأحاديث الباب تشهد له لأنهم لو لم ينظروا إليه عليه السلام ما رأوا بأجره حين عرضت عليه جهنم، ولا زادا اضطراب لحيته ولا استدلوا بذلك على قرابه ولا نقلوا ذلك ولا رأوا مناولة ما في قبلته حين مثلت له الجنة ومثل هذا الحديث قوله عليه السلام (( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) )لأن الائتمام به لا يكون إلا بمراعاة حركاته في خفضه ورفعه وإنما لم يأخذ عليه السلام العنقود لأنه من طعام الجنة وهو لا يعني ولا يؤكل إلا ما يعني لأن الله خلقها للفناء فلا يكون فيها شيء من أمور البقاء.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( يفتتحون الصلاة ) )فيه مجاز أي أطلق الصلاة وأراد جزءها، وهو القراءة ص 974 أو إضمار أي يفتتحون قراءة الصلاة و (( الحمد لله ) )بضم الدال على سبيل الحكاية، واستدل به مالك وغيره ممن يقول أن البسملة ليست من الفاتحة وأوله الشافعي بأن معناه كانوا يبتدئون الصلاة بقراءة الفاتحة قبل السور فالمراد بيان السورة التي يبتدأ بها وليس معناه أنهم كانوا لا يقرؤون بسم الله إذ هو كما يقال قرأت البقرة وآل عمران، ويراد السورة التي يذكر فيها البقرة والتي يذكر فيها آل عمران مع قطع النظر عن حكم البسملة، وقد قامت الأدلة على أن البسملة منها.
قوله (( سكت ) )من السكوت وفي بعضها من الأفعال فالهمزة للصيرورة.
قال أبو زرعة قال أبو هريرة بدل إسكاته هنية بضم الهاء وفتح النون وشدة التحتانية بغير الهمز وهي تصغير هنة أصلها هنوة وهي كلمة كناية، ومعناها شيء فلما صغرت قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء ومن همز فقد أخطأ، ورواه بعضهم هنيهة بإبدال الياء الثانية هاء أي يسكت شيئا قليلًا بينهما.
قوله (( بأبي ) )قيل الباء متعلقة بمحذوف أما اسم فيكون تقديره أنت مفدى بأبي وأما فعل فالتقدير فديتك بأبي وحذف تخفيفًا لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به قوله
(( ما تقول ) )أي ما تقول فيها.
فإن قلت السكوت مناف للقول فكيف يصح أن يقال ما تقول في سكوتك. قلت قال الخطابي إسكاتة وزنه إفعالة من السكوت، ومعناها سكوت يقتضي بعده كلامًا أو قراءة مع تحفيز المدة فيه، وإنما أرادوا بهذا النوع من السكوت ترك رفع الصوت بالكلام. ألا تراه قال ما تقول في إسكاتك.
قال المظهري في شرح المصابيح إسكاتك بالنصب مفعول فعل مقدر أي أسألك إسكاتك ما تقول فيها أو في إسكاتك ما تقول فنصب على نزع الخافض.
قوله (( باعد ) )أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة و (( الخطايا ) )إما أن يراد بها اللاحقة فمعناه إذا قدر لي ذنب فبعد بيني وبينه أو السابقة فمعناه المحو والغفران.
قوله (( بيني وبين خطاياي ) )فإن قلت لم كرر لفظ البين ههنا ولم يكرر بين المشرق والمغرب. قلت إذا عطف على المضمر المجرور أعيد الخافض و (( البرد ) )بفتح الفاء والراء هو حب الغمام. فإن قلت الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحار فلم ذكر كذلك. قلت قال محي السنة معناه طهرني من الذنوب ذكرهما مبالغة في التطهير لا أنه يحتاج إليهما.
الخطابي هذه أمثال ولم يرد بها أعيان هذه المسميات، وإنما إراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا والمبالغة في محوها عنه، والثلج والبرد ماءان لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما استعمال وكان ضرب المثل بهما أوكد في بيان معنى ما أراده من تطهير الذنوب.
التوربشتي ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها بيانا لأنواع المغفرة التي لا تخلص من الذنوب إلا بها أي من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس ورفع الأحداث.
الطيبي يمكن أن يقال ذكر الثلج والبرد بعد ذكر الماء لطلب شمول الرحمة بعد المغفرة والتركيب من باب رأيته متقلدًا سيفا ورمحا أي اغسل خطاياي بالماء أي اغفرها وزد على الغفران شمول الرحمة طلب أولًا المباعدة بينه وبين الخطايا ثم طلب تنقية ما عسى أن يبقى شيء منها تنقية تامة ثم سأل ثالثًا بعد الغفران غاية الرحمة تحلية بعد التخلية.
أقول والأقرب أن يقال جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم لأنها مستوجبة لها بحسب وعيد الشارعص 975 قال تعالى {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدًا في الإطفاء وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيًا عن الماء إلى أبرد منه وهو الثلج ثم إلى أبرد منه، وهو البرد بدليل جموده لأن ما هو أبرد فهو أجمد.
وأما تثليث الدعوات فيحتمل أن يكون نظرًا إلى الأزمنة الثلاثة فالمباعدة للمستقبل والتنقية للحال والغسل للماضي.
وفي الحديث دليل للأئمة الثلاثة في استحباب دعاء الاستفتاح حجة على مالك حيث قال لا يستحب وجواز السؤال عن الإمام في حكمة أفعاله، وقيل وفيه المنع من التطهير بالماء المستعمل لأنه يقول أن منزلة الخطايا المغسولة بالماء الذي يتطهر به منزلة الأوضار الحالة في المغسولات المانعة من التطهير بها.
قوله (( اجترأت ) )من الجرأة وهو الجسارة وإنما تكون جرأة لأنه لم يكن مأذونًا من عند الله بأخذه منه و (( القطاف ) )بكسر القاف جمع القطف وهو العنقود.
قوله (( أوأنا ) )بهمزة الاستفهام وفتح الواو. فإن قلت علام عطف قلت على مقدر بعد الهمزة يدل عليه السياق، وفي بعضها بدون الهمزة لكنها مقدرة.
قوله (( حسبت ) )أي قال أبو هريرة حسبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال و (( الخشيش ) )بفتح المعجمة هو حشرات الأرض وهوامها، وأما الخشاش فهو بالكسر الذي يدخل في عظم أنف البعير وهو من خشب والبرة من صفر، والخرامة من شعر والحشرات أيضًا وقد يفتح لهذا المعنى الأخير.
وفيه أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان، وأن الجنة والنار مخلوقتان اليوم، وفيه أن تعذيب الحيوان غير جائز، وأن المظلوم من الحيوان يسلط يوم القيامة على ظالمه.
فإن قلت ماوجه ذكر هذا الباب هنا وما وجه تعلق هذا الحديث به. قلت لما كان قراءة دعاء الاستفتاح مستلزمة لتطويل القيام، وهذا فيه تطويل القيام ذكره هنا من جهة هذه المناسبة. الخطابي الخشيش ليس بشيء إنما هو الخشاش مفتوحة الخاء وهو حشرات الأرض.
الزركشي
(( من خشيش ) )بضم الخاء والشين المعجمتين تصغير ما بعده والخشاش مثلث الخاء هوام الأرض وقيل نباتها. قال القاضي وروي بالحاء المهملة فيهما وهو وهم.
قوله (( يحطم بعضها بعضًا ) )أي يأكل وبه سميت الحطمة (( وتكعكعت ) )أي رجعت وراءك (( ورقي ) )بقاف مكسورة ومثلثتين أي معتضرتين فإنه رآهما حقيقة في جهة قبلة الجدار وناحيته ويحتمل أن يكون مجازًا معناه عرض عليه مثالهما فضرب له ذلك في الحائط كما قال في عرض هذا الحائط فأرى مثالها.
أقول
فإن قلت إن كان حقيقة فيلزم أن يكون يجد عرفها ويجد حرها من كان حاضرًا من المصلين فإن ريح الجنة توجد من مسيرة سبعين عامًا وحر جهنم أيضًا يوجد من مسافة بعيدة. قلت قدرة الله واسعة أن يحضرا ولا يحصل منهما العرف والحر وأما رؤيتها فرفعت الحجب للنبي صلى الله عليه وسلم ولم ترفع لغيره من الصحابة فرآهما دونهم وإن كان مجازًا فلا إشكال.
فإن قلت قوله تبادل عنقودًا لا يكون إلا في الموجود حقيقة لا تخييلًا فيتعين أن يكون رآهما حقيقة لا مجازًا. قلت يلتزم ذلك ولا محذور من ذلك شرعًا وعقلًا.